فتح الباري شرح صحيح البخاري — ج 5
الحافظ ابن حجر العسقلاني • الحديث • ج5 ص192
دار المعرفة - بيروت، 1379
لا يثبت إلا بدليل ولأن الشافعي نص على خلاف هذه المقالة وقال بن الجوزي ليس في الحديث أن اشتراط الولاء والعتق كان مقارنا للعقد فيحمل على أنه كان سابقا للعقد فيكون الأمر بقوله اشترطي مجرد الوعد ولا يجب الوفاء به وتعقب باستبعاد أنه صلى الله عليه وسلم يأمر شخصا أن يعد مع علمه بأنه لا يفي بذلك الوعد وأغرب بن حزم فقال كان الحكم ثابتا بجواز اشتراط الولاء لغير المعتق فوقع الأمر باشتراطه في الوقت الذي كان جائزا فيه ثم نسخ ذلك الحكم بخطبته صلى الله عليه وسلم وبقوله إنما الولاء لمن أعتق ولا يخفى بعد ما قال وسياق طرق هذا الحديث تدفع في وجه هذا الجواب والله المستعان وقال الخطابي وجه هذا الحديث أن الولاء لما كان كلحمة النسب والإنسان إذا ولد له ولد ثبت له نسبه ولا ينتقل نسبه عنه ولو نسب إلى غيره فكذلك إذا أعتق عبدا ثبت له ولاؤه ولو أراد نقل ولائه عنه أو أذن في نقله عنه لم ينتقل فلم يعبأ باشتراطهم الولاء وقيل اشترطي ودعيهم يشترطون ماشاءوا أو نحو ذلك لأن ذلك غير قادح في العقد بل هو بمنزلة اللغو من الكلام وأخر إعلامهم بذلك ليكون رده وإبطاله قولا شهيرا يخطب به على المنبر ظاهرا إذ هو أبلغ في النكير وأوكد في التعبير اه وهو يئول إلى أن الأمر فيه بمعنى الإباحة كما تقدم قوله فقضاء الله أحق أي بالاتباع من الشروط المخالفة له قوله وشرط الله أوثق أي باتباع حدوده التي حدها وليست المفاعلة هنا على حقيقتها إذ لا مشاركة بين الحق والباطل وقد وردت صيغة أفعل لغير التفضيل كثيرا ويحتمل أن يقال ورد ذلك على ما اعتقدوه من الجواز قوله ما بال رجال أي ما حالهم قوله إنما الولاء لمن أعتق يستفاد منه أن كلمة إنما للحصر وهو إثبات الحكم للمذكور ونفيه عما عداه ولولا ذلك لما لزم من إثبات الولاء للمعتق نفيه عن غيره واستدل بمفهومه على أنه لا ولاء لمن أسلم على يديه رجل أو وقع بينه وبينه محالفة خلافا للحنفية ولا للملتقط خلافا لإسحاق وسيأتي مزيد بسط لذلك في كتاب الفرائض إن شاء الله تعالى ويستفاد من منطوقه إثبات الولاء لمن أعتق سابيه خلافا لمن قال يصير ولاؤه للمسلمين ويدخل فيمن أعتق عتق المسلم للمسلم وللكافر وبالعكس ثبوت الولاء للمعتق تنبيه زاد النسائي من طريق جرير بن عبد الحميد عن هشام بن عروة في آخر هذا الحديث فخيرها رسول الله صلى الله عليه وسلم بين زوجها وكان عبدا وهذه الزيادة ستأتي في النكاح من حديث بن عباس ويأتي الكلام عليها هناك إن شاء الله تعالى مع ذكر الخلاف في زوجها هل كان حرا أو عبدا وتسميته وما اتفق له بعد فراقها وفي حديث بريرة هذا من الفوائد سوى ما سبق وسوى ما سيأتي في النكاح جواز كتابة الأمة كالعبد وجواز كتابة المتزوجة ولو لم يأذن الزوج وأنه ليس له منعها من كتابتها ولو كانت تؤدي إلى فراقها منه كما أنه ليس للعبد المتزوج منع السيد من عتق أمته التي تحته وإن أدى ذلك إلى بطلان نكاحها ويستنبط من تمكينها من السعي في مال الكتابة أنه ليس عليها خدمته وفيه جواز سعي المكاتبة وسؤالها واكتسابها وتمكين السيد لها من ذلك ولا يخفى أن محل الجواز إذا عرفت جهة حل كسبها وفيه البيان بأن النهي الوارد عن كسب الأمة محمول على من لا يعرف وجه كسبها أو محمول على غير المكاتبة وفيه أن للمكاتب أن يسأل من حين الكتابة ولا يشترط في ذلك عجزه خلافا لمن شرطه وفيه جواز السؤال لمن احتاج إليه من دين أو غرم أو نحو ذلك وفيه أنه لا بأس بتعجيل مال الكتابة وفيه جواز المساومة في البيع وتشديد صاحب السلعة فيها وأن المرأة الرشيدة تتصرف لنفسها في البيع وغيره ولو كانت مزوجة خلافا لمن أبى ذلك وسيأتي له مزيد في كتاب الهبة وأن من لا يتصرف بنفسه فله أن يقيم غيره مقامه في ذلك وأن العبد إذا
#
