فتح الباري شرح صحيح البخاري — ج 7
الحافظ ابن حجر العسقلاني • الحديث • ج7 ص214
دار المعرفة - بيروت، 1379
سدرة المنتهى مغروسة في الجنة والأنهار تخرج من تحتها فيصح أنها من الجنة قوله اما الباطنان ففي الجنة قال بن أبي جمرة فيه أن الباطن أجل من الظاهر لأن الباطن جعل في دار البقاء والظاهر جعل في دار الفناء ومن ثم كان الاعتماد على ما في الباطن كما قال صلى الله عليه وسلم إن الله لا ينظر إلى صوركم ولكن ينظر إلى قلوبكم قوله وأما الظاهران فالنيل والفرات وقع في رواية شريك كما سيأتي في التوحيد أنه رأى في السماء الدنيا نهرين يطردان فقال له جبريل هما النيل والفرات عنصرهما والجمع بينهما أنه رأى هذين النهرين عند سدرة المنتهى مع نهري الجنة ورآهما في السماء الدنيا دون نهري الجنة وأراد بالعنصر عنصر امتيازهما بسماء الدنيا كذا قال بن دحية ووقع في حديث شريك أيضا ومضى به يرقى السماء فإذا هو بنهر آخر عليه قصر من لؤلؤ وزبرجد فضرب بيده فإذا هو مسك أذفر فقال ما هذا يا جبريل قال هذا الكوثر الذي خبأ لك ربك ووقع في رواية يزيد بن أبي مالك عن أنس عند بن أبي حاتم أنه بعد أن رأى إبراهيم قال ثم انطلق بي على ظهر السماء السابعة حتى انتهى إلى نهر عليه خيام اللؤلؤ والياقوت والزبرجد وعليه طير خضر أنعم طير رأيت قال جبريل هذا الكوثر الذي أعطاك الله فإذا فيه آنية الذهب والفضة يجري على رضراض من الياقوت والزمرد ماؤه أشد بياضا من اللبن قال فأخذت من آنيته فاغترفت من ذلك الماء فشربت فإذا هو أحلى من العسل وأشد رائحة من المسك وفي حديث أبي سعيد فإذا فيها عين تجري يقال لها السلسبيل فينشق منها نهران أحدهما الكوثر والآخر يقال له نهر الرحمة قلت فيمكن أن يفسر بهما النهران الباطنان المذكوران في حديث الباب وكذا روي عن مقاتل قال الباطنان السلسبيل والكوثر وأما الحديث الذي أخرجه مسلم بلفظ سيحان وجيحان والنيل والفرات من أنهار الجنة فلا يغاير هذا لأن المراد به أن في الأرض أربعة أنهار أصلها من الجنة وحينئذ لم يثبت لسيحون وجيحون أنهما ينبعان من أصل سدرة المنتهى فيمتاز النيل والفرات عليهما بذلك وأما الباطنان المذكوران في حديث الباب فهما غير سيحون وجيحون والله أعلم قال النووي في هذا الحديث أن أصل النيل والفرات من الجنة وأنهما يخرجان من أصل سدرة المنتهى ثم يسيران حيث شاء الله ثم ينزلان إلى الأرض ثم يسيران فيها ثم يخرجان منها وهذا لا يمنعه العقل وقد شهد به ظاهر الخبر فليعتمد وأما قول عياض إن الحديث يدل على أن أصل سدرة المنتهى في الأرض لكونه قال إن النيل والفرات يخرجان من أصلها وهما بالمشاهدة يخرجان من الأرض فيلزم منه أن يكون أصل السدرة في الأرض وهو متعقب فإن المراد بكونهما يخرجان من أصلها غير خروجهما بالنبع من الأرض والحاصل ان أصلها في الجنة وهما يخرجان أولا من أصلها ثم يسيران إلى أن يستقرا في الأرض ثم ينبعان واستدل به على فضيلة ماء النيل والفرات لكون منبعهما من الجنة وكذا سيحان وجيحان قال القرطبي لعل ترك ذكرهما في حديث الإسراء لكونهما ليسا أصلا برأسهما وإنما يحتمل أن يتفرعا عن النيل والفرات قال وقيل انما أطلق على هذه الأنهار أنها من الجنة تشبيها لها بأنهار الجنة لما فيها من شدة العذوبة والحسن والبركة والأول أولى والله أعلم تنبيه الفرات بالمثناة في الخط في حالتي الوصل والوقف في القراءات المشهورة
#
