فتح الباري شرح صحيح البخاري — ج 7
الحافظ ابن حجر العسقلاني • الحديث • ج7 ص69
دار المعرفة - بيروت، 1379
قوله فقال طلحة قد جعلت أمري فيه دلالة على أنه حضر وقد تقدم أنه كان غائبا عند وصية عمر ويحتمل أنه حضر بعد أن مات وقبل أن يتم أمر الشورى وهذا أصح مما رواه المدائني أنه لم يحضر إلا بعد أن بويع عثمان قوله والله عليه والإسلام بالرفع فيهما والخبر محذوف أي عليه رقيب أو نحو ذلك قوله لينظرن أفضلهم في نفسه أي معتقده زاد المدائني في رواية فقال عثمان أنا أول من رضي وقال علي أعطني موثقا لتؤثرن الحق ولاتخصن ذا رحم فقال نعم ثم قال أعطوني مواثيقكم أن تكونوا معي على من خالف قوله فأسكت بضم الهمزة وكسر الكاف كأن مسكتا أسكتهما ويجوز فتح الهمزة والكاف وهو بمعنى سكت والمراد بالشيخين علي وعثمان قوله فأخذ بيد أحدهما هو علي وبقية الكلام يدل عليه ووقع مصرحا به في رواية بن فضيل عن حصين قوله والقدم بكسر القاف وفتحها وقد تقدم زاد المدائني أنه قال له أرأيت لو صرف هذا الأمر عنك فلم تحضر من كنت ترى أحق بها من هؤلاء الرهط قال عثمان قوله ما قد علمت صفة أو بدل عن القدم قوله ثم خلا بالآخر فقال له مثل ذلك زاد المدائني أنه قال له كما قال لعلي فقال علي وزاد فيه أن سعدا أشار عليه بعثمان وأنه دار تلك الليالي كلها على الصحابة ومن وافى المدينة من أشراف الناس لا يخلو برجل منهم إلا أمره بعثمان وقد أورد المصنف قصة الشورى في كتاب الأحكام من رواية حميد بن عوف عن المسور بن مخرمة وساقها نحو هذا وأتم مما هنا وسأذكر شرح ما فيها هناك إن شاء الله تعالى وفي قصة عمر هذه من الفوائد شفقته على المسلمين ونصيحته لهم وإقامته السنة فيهم وشدة خوفه من ربه واهتمامه بأمر الدين أكثر من اهتمامه بأمر نفسه وأن النهي عن المدح في الوجه مخصوص بما إذا كان غلو مفرط أو كذب ظاهر ومن ثم لم ينه عمر الشاب عن مدحه له مع كونه أمره بتشمير إزاره والوصية بأداء الدين والاعتناء بالدفن عند أهل الخير والمشورة في نصب الإمام وتقديم الأفضل وأن الإمامة تنعقد بالبيعة وغير ذلك مما هو ظاهر بالتأمل والله الموفق وقال بن بطال فيه دليل على جواز تولية المفضول على الأفضل منه لأن ذلك لو لم يجز لم يجعل الأمر شورى إلى ستة أنفس مع علمه أن بعضهم أفضل من بعض قال ويدل على ذلك أيضا قول أبي بكر قد رضيت لكم أحد الرجلين عمر وأبي عبيدة مع علمه بأنه أفضل منهما وقد استشكل جعل عمر الخلافة في ستة ووكل ذلك إلى اجتهادهم ولم يصنع ماصنع أبو بكر في اجتهاده فيه لأنه إن كان لا يرى جواز ولاية المفضول على الفاضل فصنيعه يدل على أن من عدا الستة كان عنده مفضولا بالنسبة إليهم وإذا عرف ذلك فلم يخف عليه أفضلية بعض الستة على بعض وإن كان يرى جواز ولاية المفضول على الفاضل فمن ولاه منهم أو من غيرهم كان ممكنا والجواب عن الأول يدخل فيه الجواب عن الثاني وهو أنه تعارض عنده صنيع النبي صلى الله عليه وسلم حيث لم يصرح باستخلاف شخص بعينه وصنيع أبي بكر حيث صرح فتلك طريق تجمع التنصيص وعدم التعيين وإن شئت قل تجمع الاستخلاف وترك تعيين الخليفة وقد أشار بذلك إلى قوله لا أتقلدها حيا وميتا لأن الذي يقع ممن يستخلف بهذه الكيفية إنما ينسب إليه بطريق الإجمال لا بطريق التفصيل فعينهم ومكنهم من المشاورة في ذلك والمناظرة فيه لتقع ولاية من يتولى بعده عن اتفاق من معظم الموجودين حينئذ ببلده التي هي دار الهجرة وبها معظم الصحابة وكل من كان ساكنا غيرهم في بلد غيرها كان تبعا لهم فيما يتفقون عليه
#
