فتح الباري شرح صحيح البخاري — ج 11
الحافظ ابن حجر العسقلاني • الحديث • ج11 ص265
دار المعرفة - بيروت، 1379
ذهبا فصارت ببنائها لما لم يسم فاعله جارية مجرى صار في رفع المبتدأ ونصب الخبر انتهى كلامه وقد اختلفت ألفاظ هذا الحديث وهو متحد المخرج فهو من تصرف الرواة فلا يكون حجة في اللغة ويمكن الجمع بين قوله مثل أحد وبين قوله تحول لي أحد بحمل المثلية على شيء يكون وزنه من الذهب وزن أحد والتحويل على أنه إذا انقلب ذهبا كان قدر وزنه أيضا وقد اختلفت ألفاظ رواته عن أبي ذر أيضا ففي رواية سالم ومنصور عن زيد بن وهب بعد قوله قلت أحد قال والذي نفسي بيده ما يسرني أنه ذهب قطعا أنفقه في سبيل الله أدع منه قيراطا وفي رواية سويد بن الحارث عن أبي ذر ما يسرني أن لي أحدا ذهبا أموت يوم أموت وعندي منه دينار أو نصف دينار واختلفت ألفاظ الرواة أيضا في حديث أبي هريرة ثاني حديثي الباب كما سأذكره قوله تمضي علي ثالثة أي ليلة ثالثة قيل وإنما قيد بالثلاث لأنه لا يتهيأ تفريق قدر أحد من الذهب في أقل منها غالبا ويعكر عليه رواية يوم وليلة فالأولى أن يقال الثلاثة أقصى ما يحتاج إليه في تفرقة مثل ذلك والواحدة أقل ما يمكن قوله إلا شيئا أرصده لدين أي أعده أو أحفظه وهذا الإرصاد أعم من أن يكون لصاحب دين غائب حتى يحضر فيأخذه أو لأجل وفاء دين مؤجل حتى يحل فيوفى ووقع في رواية حفص وأبي شهاب جميعا عن الأعمش إلا دينار بالرفع والنصب والرفع جائزان لأن المستثنى منه مطلق عام والمستثنى مقيد خاص فاتجه النصب وتوجيه الرفع أن المستثنى منه في سياق النفي وجواب لو هنا في تقدير النفي ويجوز أن يحمل النفي الصريح في أن لا يمر على حمل إلا على الصفة وقد فسر الشيء في هذه الرواية بالدينار ووقع في رواية سويد بن الحارث عن أبي ذر وعندي منه دينار أو نصف دينار وفي رواية سالم ومنصور أدع منه قيراطا قال قلت قنطارا قال قيراطا وفيه ثم قال يا أبا ذر إنما أقول الذي هو أقل ووقع في رواية الأحنف ما أحب أن لي مثل أحد ذهبا أنفقه كله إلا ثلاثة دنانير فظاهره نفي محبة حصول المال ولو مع الإنفاق وليس مرادا وإنما المعنى نفي إنفاق البعض مقتصرا عليه فهو يحب إنفاق الكل إلا ما استثنى وسائر الطرق تدل على ذلك ويؤيده أن في رواية سليمان بن يسار عن أبي هريرة عند أحمد ما يسرني أن أحدكم هذا ذهبا أنفق منه كل يوم في سبيل الله فيمر بي ثلاثة أيام وعندي منه شيء إلا شيء أرصده لدين ويحتمل أن يكون على ظاهره والمراد بالكراهة الإنفاق في خاصة نفسه لافي سبيل الله فهو محبوب قوله إلا أن أقول به في عباد الله هو استثناء بعد استثناء فيفيد الإثبات فيؤخذ منه أن نفي محبة المال مقيدة بعدم الإنفاق فيلزم محبة وجوده مع الإنفاق فما دام الإنفاق مستمرا لا يكره وجود المال وإذا انتفى الإنفاق ثبتت كراهية وجود المال ولا يلزم من ذلك كراهية حصول شيء آخر ولو كان قدر أحد أو أكثر مع استمرار الإنفاق قوله هكذا وهكذا وهكذا عن يمينه وعن شماله ومن خلفه هكذا اقتصر على ثلاث وحمل على المبالغة لأن العطية لمن بين يديه هي الأصل والذي يظهر لي أن ذلك من تصرفات الرواة وأن أصل الحديث مشتمل على الجهات الأربع ثم وجدته في الجزء الثالث من البشرانيات من رواية أحمد بن ملاعب عن عمر بن حفص بن غياث عن أبيه بلفظ إلا أن أقول به في عباد الله هكذا وهكذا وهكذا وهكذا وأرانا بيده كذا فيه بإثبات الأربع وقد أخرجه المصنف في الاستئذان عن عمر بن حفص مثله لكن اقتصر من الأربع على ثلاث وأخرجه أبو نعيم من طريق سهل بن بحر عن عمر بن حفص فاقتصر على ثنتين قوله ثم مشى ثم قال ألا إن الأكثرين هم المقلون يوم
#
