فتح الباري شرح صحيح البخاري — ج 13
الحافظ ابن حجر العسقلاني • الحديث • ج13 ص188
دار المعرفة - بيروت، 1379
يؤخذ من صحة استدلاله فيما يتعلق بالنبوة والرسالة أنه كان مطلعا على شرائع الأنبياء فتحمل تصرفاته على وفق الشريعة التي كان متمسكا بها كما سأذكره من عند الكرماني والذي يظهر لي أن مستند البخاري تقرير بن عباس وهو من الأئمة الذين يقتدى بهم على ذلك ومن ثم احتج باكتفائه بترجمة أبي جمرة له فالأثران راجعان لابن عباس أحدهما من تصرفه والآخر من تقريره وإذا انضم إلى ذلك فعل عمر ومن معه من الصحابة ولم ينقل عن غيرهم خلافه قويت الحجة ولما نقل الكرماني كلام بن بطال تعقبه بأن قال أقول وجه الاحتجاج أنه كان يعني هرقل نصرانيا وشرع من قبلنا حجة لنا ما لم ينسخ قال وعلى قول من قال إنه أسلم فالأمر ظاهر قلت بل هو أشد إشكالا لأنه لا حجة في فعله عند أحد إذ ليس صحابيا ولو ثبت أنه أسلم فالمعتمد ما تقدم والله أعلم قال بن بطال أجاز الأكثر ترجمة واحد وقال محمد بن الحسن لا بد من رجلين أو رجل وامرأتين وقال الشافعي هو كالبينة وعن مالك روايتان قال وحجة الأول ترجمة زيد بن ثابت وحده للنبي صلى الله عليه وسلم وأبي جمرة لابن عباس وأن الترجمان لا يحتاج إلى أن يقول أشهد بل يكفيه مجرد الإخبار وهو تفسير ما يسمعه من الذي يترجم عنه ونقل الكرابيسي عن مالك والشافعي الاكتفاء بترجمان واحد وعن أبي حنيفة الاكتفاء بواحد وعن أبي يوسف اثنين وعن زفر لا يجوز أقل من اثنين وقال الكرماني الحق أن البخاري لم يحرر هذه المسألة إذ لا نزاع لأحد أنه يكفي ترجمان واحد عند الإخبار وأنه لا بد من اثنين عند الشهادة فيرجع الخلاف إلى أنها إخبار أو شهادة فلو سلم الشافعي أنها إخبار لم يشترط العدد ولو سلم الحنفي أنها شهادة لقال بالعدد والصور المذكورة في الباب كلها إخبارات أما المكتوبات فظاهر وأما قصة المرأة وقول أبي جمرة فأظهر فلا محل لأن يقال على سبيل الاعتراض وقال بعض الناس بل الاعتراض عليه أوجه فإنه نصب الأدلة في غير ما ترجم عليه وهو ترجمة الحاكم إذ لا حكم فيما استدل به انتهى وهو أولى بأن يقال في حقه إنه ما حرر فإن أصل ما احتج به اكتفاء النبي صلى الله عليه وسلم بترجمة زيد بن ثابت واكتفائه به وحده وإذا اعتمد عليه في قراءة الكتب التي ترد وفي كتابة ما يرسله إلى من يكاتبه التحق به اعتماده عليه فيما يترجم له عمن حضر من أهل ذلك اللسان فإذا اكتفى بقوله في ذلك وأكثر تلك الأمور يشتمل على تلك الأحكام وقد يقع فيما طريقه منها الإخبار ما يترتب عليه الحكم فكيف لا تتجه الحجة به للبخاري وكيف يقال إنه ما حرر المسألة وقد ترجم المحب الطبري في الأحكام ذكر اتخاذ مترجم والاكتفاء بواحد وأورد فيه حديث زيد بن ثابت وما علقه البخاري عن عمر وعن بن عباس ثم قال احتج بظاهر هذه الأحاديث من ذهب إلى جواز الاقتصار على مترجم واحد ولم يتعقبه وأما قصة المرأة مع عمر فظاهر السياق أنها كانت فيما يتعلق بالحكم لأنه درأ الحد عن المرأة لجهلها بتحريم الزنا بعد أن ادعى عليها وكاد يقيم عليها الحد واكتفى في ذلك بإخبار واحد يترجم له عن لسانها وأما قصة أبي جمرة مع بن عباس وقصة هرقل فإنهما وإن كانا في مقام الإخبار المحض فلعله إنما ذكرهما استظهارا وتأكيدا وأما دعواه أن الشافعي لو سلم أنها إخبار لما اشترط العدد إلخ فصحيح ولكن ليس فيه ما يمنع من نصب الخلاف مع من يشترط العدد وأقل ما فيه إنه إطلاق في موضع التقييد فيحتاج إلى التنبيه عليه وإلى ذلك يشير البخاري بتقييده بالحاكم فيؤخذ منه أن غير الحاكم يكتفي بالواحد لأنه إخبار محض وليس النزاع فيه وإنما النزاع فيما يقع عند الحاكم فان غالبه يؤول إلى الحكم ولا سيما عند من يقول إن تصرف الحاكم بمجرده حكم وقد قال بن المنذر القياس يقتضي اشتراط العدد
#
