فتح الباري شرح صحيح البخاري (ابن رجب) — ج 6
ابن رجب الحنبلي • الحديث • ج6 ص156
مكتبة الغرباء الأثرية - المدينة النبوية.
وهذه قاعدة مطردة.
وهي: أنا إذا وجدنا حديثا صحيحا صريحا في حكم من الأحكام، فإنه لا يرد باستنباط من نص آخر لم يسق لذلك المعنى بالكلية، فلا ترد أحاديث تحريم صيد المدينة بما يستنبط من حديث النغير، ولا أحاديث توقيت صلاة العصر الصريحة بحديث:
((مثلكم فيما خلا قبلكم من الأمم كمثل رجل استأجر أجراء)) – الحديث، ولا أحاديث: ((ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة)) بقوله: ((فيما سقت السماء العشر)) .
وقد ذكر الشافعي أن هذا لم يسق لبيان قدر ما يجب منه الزكاة، بل لبيان قدر الزكاة، وما أشبه هذا.
وممن ذهب إلى أن المأموم يصلي جالسا خلف الإمام الجالس بكل حال من العلماء: الأوزاعي وحماد بن زيد وأحمد وأسحاق وأبو خيثمة زهير بن حرب وسليمان بن داود الهاشمي وأبو بكر بن أبي شيبة وأبو إسحاق الجوزجاني وابن المنذر وابن خزيمة وابن حبان، ونقله إجماعا قديما من السلف، حتى قال في ((صحيحه)) : أول من أبطل في هذه الأمة صلاة المأموم قاعدا إذا صلى إمامه جالسا: المغيرة بن مقسم، وعنه أخذ أبو حنيفة.
وأما دعوى النسخ في هذا فقد بينا أنه لا يجوز دعوى بطلان الحكم مع إمكان العمل به ولو بوجه، وسنبين وجه العمل به، والجمع بين ما أدعى عليه التعارض – إن شاء الله تعالى.
ويدل على أن الأمر بالقعود خلف الإمام القاعد غير منسوخ: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - علله بعلل لم تنسخ ولم تبطل منذ شرعت.
#