فتح القدير — ج 1
الشوكاني • التفسير • ج1 ص6
دار ابن كثير، دار الكلم الطيب - دمشق، بيروت
وقد ابتدأ تحصيله العلمي الواسع بقراءة القرآن وحفظه على جماعة من المعلمين، وختمه على الفقيه حسن ابن عبد الله الهبل، وجوده على جماعة من مشايخ القرآن بصنعاء، ثم انتقل إلى حفظ كثير من المتون، «كالأزهار» للإمام مهدي في الفقه، و «مختصر الفرائض» للعصيفري، و «الملحة» للحريري، و «الكافية» و «الشافية» لابن الحاجب، و «التهذيب» للتفتازاني، و «التخليص» في علوم البلاغة للقزويني ... وغيرها.
وقرأ عدة كتب في التاريخ والأدب، ثم شرع بالسماع والطلب على العلماء البارزين في اليمن حتى استوفى كل ما عندهم من كتب، تشمل العلوم الدينية واللسانية والعقلية والرياضية والفلكية، وكان في هذه المرحلة يجمع بين التحصيل العلمي والتدريس، فهو يلقي على تلاميذه ما تلقاه بدوره عن مشايخه، حتى إذا استوفى كل ما عرفه أو سمع عنه من كتب تفرغ لإفادة طلاب العلم، فكانت دروسه اليومية تزيد على عشرة دروس في اليوم في فنون متعددة مثل التفسير، والحديث، والأصول، والمعاني، والبيان، والمنطق، وتقدم للإفتاء وهو في نحو العشرين من عمره، ولم يعترض عليه شيوخه في ذلك.
3- حياته العلمية ومناصبه:
تمتاز حياة الشوكاني العلمية بالجد والمثابرة، والحيوية والنشاط، والذكاء الفطري، وقد ظهر هذا في اتساع ثقافته، وعمق تفكيره، وتصديه للإصلاح والاجتهاد، وقد لمسنا هذا من خلال نشأته حيث جمع بين الدراسة والتدريس، كما وفق بين إلقاء الدروس اليومية العديدة والتأليف.
ومن الثابت أنه لم يرحل في طلب العلم، وكان تحصيله مقتصرا على علماء صنعاء لعدم إذن أبويه له في السفر منها، وقد عوض عن ذلك بالسماع والإجازة والقراءة لكل ما وقعت عليه يده من الكتب، وفي مختلف العلوم، كما استوفى كل ما عند علماء اليمن من كتب ومعارف، وزاد في قراءته الخاصة على ما ليس عندهم.
ولم يقتصر الشوكاني رحمه الله تعالى في حياته العلمية منذ شبابه وحتى وفاته على الجمع والمحاكاة، مثل الكثير من علماء عصره، بل دعا إلى ثورة عارمة في نبذ التعصب والتقليد، والنظر في الأدلة، والعودة إلى هدي الكتاب والسنة. وهذا الموقف العلمي المتميز أكسبه تحفزا زائدا واستحضارا دائما في مواجهة تحدي الشانئين له من المقلدين والحاسدين، وجعله في طليعة المجددين المجتهدين، الذين أسهموا في إيقاظ الأمة الإسلامية من سباتها العميق، في العصر الحديث.
ورغم زهده في المناصب، وانعزاله عن طلاب الدنيا ورجال الحكم والسياسة، وتفرغه للعلم، فإن الدنيا جاءته صاغرة، واختير للقضاء العام في صنعاء، وهو في السادسة والثلاثين من عمره، ثم جمع بين القضاء والوزارة، فأصبح متوليا شؤون اليمن الداخلية والخارجية، وسار في الناس بأحسن سيرة، ممتعا بشخصية قوية، وسمعة طيبة، مضيفا إلى أمجاد أمته المسلمة تجربة فريدة فذة، تجمع بين العلم والعمل، والحكم والعدالة.
#