فتح القدير — ج 2
الشوكاني • التفسير • ج2 ص121
دار ابن كثير، دار الكلم الطيب - دمشق، بيروت
في محل رفع على الابتداء، وخبره فهم لا يؤمنون ودخول الفاء في الخبر لتضمن المبتدأ معنى الشرط وقيل: إن الموصول خبر مبتدأ محذوف وقيل: هو نعت للموصول الأول. وعلى الوجهين الأخيرين يكون فهم لا يؤمنون معطوفا على جملة الذين آتيناهم الكتاب. والمعنى على الوجه الأول: أن الكفار الخاسرين لأنفسهم بعنادهم وتمردهم لا يؤمنون بما جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعلى الوجهين الأخيرين: أن أولئك الذين آتاهم الله الكتاب هم الذين خسروا أنفسهم بسبب ما وقعوا فيه من البعد عن الحق وعدم العمل بالمعرفة التي ثبتت لهم، فهم لا يؤمنون. قوله: ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا أي اختلق على الله الكذب فقال: إن في التوراة أو الإنجيل ما لم يكن فيهما أو كذب بآياته التي يلزمه الإيمان بها من المعجزة الواضحة البينة، فجمع بين كونه كاذبا على الله ومكذبا بما أمره الله بالإيمان به، ومن كان هكذا فلا أحد من عباد الله أظلم منه، والضمير في إنه لا يفلح الظالمون للشأن.
وقد أخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن سلمان الفارسي قال:
إنا نجد في التوراة أن الله خلق السماوات والأرض، ثم جعل مائة رحمة قبل أن يخلق الخلق، ثم خلق الخلق فوضع بينهم رحمة واحدة وأمسك عنده تسعا وتسعين رحمة فبها يتراحمون، وبها يتعاطفون، وبها يتباذلون، وبها يتزاورون، وبها تحن الناقة، وبها تنتج البقرة، وبها تيعر الشاة، وبها تتابع الطير، وبها تتابع الحيتان في البحر، فإذا كان يوم القيامة جمع تلك الرحمة إلى ما عنده، ورحمته أفضل وأوسع. وقد أخرج مسلم وأحمد وغيرهما عن سلمان عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «خلق الله يوم خلق السموات والأرض مائة رحمة: منها رحمة يتراحم بها الخلق، وتسعة وتسعون ليوم القيامة، فإذا كان يوم القيامة أكملها بهذه الرحمة» . وثبت في الصحيحين وغيرهما عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لما قضى الله الخلق كتب كتابا فوضعه عنده فوق العرش: إن رحمتي سبقت غضبي» . وقد روي من طرق أخرى بنحو هذا. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن السدي في قوله: وله ما سكن في الليل والنهار يقول ما استقر في الليل والنهار، وفي قوله: قل أغير الله أتخذ وليا قال: أما الولي فالذي تولاه ويقر له بالربوبية. وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس في قوله: فاطر السماوات والأرض قال: بديع السموات والأرض. وأخرج أبو عبيد في فضائله وابن جرير وابن الأنباري عنه قال: كنت لا أدري ما فاطر السموات والأرض؟ حتى أتاني أعرابيان يختصمان في بئر فقال أحدهما: أنا فطرتها، يقول: أنا ابتدأتها. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن السدي في قوله: وهو يطعم ولا يطعم قال: يرزق ولا يرزق.
وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: من يصرف عنه قال: من يصرف عنه العذاب. وأخرج أبو الشيخ عن السدي في قوله: وإن يمسسك بخير يقول: بعافية. وأخرج ابن إسحاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس قال: جاء النحام بن زيد وقردم ابن كعب وبحري بن عمير فقالوا: يا محمد! ما تعلم مع الله إلها غيره؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا إله إلا الله، بذلك بعثت، وإلى ذلك أدعو» فأنزل الله: قل أي شيء أكبر شهادة الآية. وأخرج
#