شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

فتح القدير — ج 2

الشوكاني • التفسير • ج2 ص16

دار ابن كثير، دار الكلم الطيب - دمشق، بيروت

هذا شروع في بيان ما أحله الله لهم بعد بيان ما حرمه الله عليهم، وسيأتي ذكر سبب نزول الآية. قوله:

ماذا أحل لهم أي شيء أحل لهم؟ أو ما الذي أحل لهم من المطاعم إجمالا ومن الصيد ومن طعام أهل الكتاب ومن نسائهم؟ قوله: قل أحل لكم الطيبات هي ما يستلذه آكله ويستطيبه مما أحله الله لعباده وقيل: هي الحلال، وقد سبق الكلام في هذا وقيل: الطيبات: الذبائح لأنها طابت بالتذكية، وهو تخصيص للعام بغير مخصص، والسبب والسياق لا يصلحان لذلك. قوله: وما علمتم من الجوارح هو معطوف على الطيبات بتقدير مضاف لتصحيح المعنى: أي أحل لكم الطيبات وأحل لكم صيد ما علمتم من الجوارح.

وقرأ ابن عباس ومحمد بن الحنفية علمتم بضم العين وكسر اللام: أي علمتم من أمر الجوارح والصيد بها. قال القرطبي: وقد ذكر بعض من صنف في أحكام القرآن أن الآية تدل على أن الإباحة تناولت ما علمنا من الجوارح، وهو يتضمن الكلب وسائر جوارح الطير، وذلك يوجب إباحة سائر وجوه الانتفاع، فدل على جواز بيع الكلب والجوارح والانتفاع بها بسائر وجوه المنافع إلا ما خصه الدليل: وهو الأكل من الجوارح.

أي الكواسب من الكلاب وسباع الطير. قال: أجمعت الأمة على أن الكلب إذا لم يكن أسود، وعلمه مسلم ولم يأكل من صيده الذي صاده، وأثر فيه بجرح أو تنييب، وصاد به مسلم وذكر اسم الله عند إرساله أن صيده صحيح يؤكل بلا خلاف. فإن انخزم شرط من هذه الشروط دخل الخلاف، فإن كان الذي يصاد به غير كلب كالفهد وما أشبه، وكالبازي والصقر ونحوهما من الطير فجمهور الأمة على أن كل ما صاد بعد التعليم فهو جارح كاسب، يقال: جرح فلان واجترح: إذا اكتسب، ومنه الجارحة لأنه يكتسب بها، ومنه اجتراح السيئات، ومنه قوله تعالى: ويعلم ما جرحتم بالنهار «1» . وقوله: أم حسب الذين اجترحوا السيئات

«2» . قوله: مكلبين حال، والمكلب: معلم الكلاب لكيفية الاصطياد، والأخص معلم الكلاب وإن كان معلم سائر الجوارح مثله، لأن الاصطياد بالكلاب هو الغالب، ولم يكتف بقوله: وما علمتم من الجوارح مع أن التكليب هو التعليم، لقصد التأكيد لما لا بد منه من التعليم وقيل: إن السبع يسمى كلبا فيدخل كل سبع يصاد به وقيل: إن هذه الآية خاصة بالكلاب. وقد حكى ابن المنذر عن ابن عمر أنه قال: ما يصاد بالبزاة وغيرها من الطير فما أدركت ذكاته فهو لك حلال، وإلا فلا تطعمه. قال ابن المنذر: وسئل أبو جعفر عن البازي هل يحل صيده؟ قال: لا، إلا أن تدرك ذكاته. وقال الضحاك والسدي وما علمتم من الجوارح مكلبين هي الكلاب خاصة، فإن كان الكلب الأسود بهيما فكره صيده الحسن وقتادة والنخعي. وقال أحمد: ما أعرف أحدا يرخص فيه إذا كان بهيما، وبه قال ابن راهويه. فأما عامة أهل العلم بالمدينة والكوفة فيرون جواز صيد كل كلب معلم، واحتج من منع من صيد الكلب الأسود بقوله صلى الله عليه وسلم: «الكلب الأسود شيطان» . أخرجه مسلم وغيره، والحق أنه يحل صيد كل ما يدخل تحت عموم الجوارح من غير فرق بين الكلب وغيره وبين الأسود من الكلاب وغيره وبين الطير وغيره، ويؤيد هذا أن سبب نزول الآية سؤال عدي بن حاتم عن صيد البازي كما سيأتي. قوله: تعلمونهن مما علمكم الله الجملة في محل نصب على الحال: أي مما علمكم الله مما أدركتموه بما خلقه فيكم من العقل الذي تهتدون به

الصفحة السابقة الصفحة التالية