فتح القدير — ج 2
الشوكاني • التفسير • ج2 ص17
دار ابن كثير، دار الكلم الطيب - دمشق، بيروت
إلى تعليمها وتدريبها حتى تصير قابلة لإمساك الصيد عند إرسالكم لها. قوله: فكلوا مما أمسكن عليكم الفاء للتفريع، والجملة متفرعة على ما تقدم من تحليل صيد ما علموه من الجوارح، ومن في قوله: مما أمسكن عليكم للتبعيض، لأن بعض الصيد لا يؤكل كالجلد والعظم وما أكله الكلب ونحوه، وفيه دليل على أنه لا بد أن يمسكه على صاحبه فإن أكل منه فإنما أمسكه على نفسه، كما في الحديث الثابت في الصحيح. وقد ذهب الجمهور إلى أنه لا يحل أكل الصيد الذي يقصده الجارح من تلقاء نفسه من غير إرسال. وقال عطاء ابن أبي رباح والأوزاعي: وهو مروي عن سلمان الفارسي وسعد بن أبي وقاص وأبي هريرة وعبد الله بن عمر، وروي عن علي وابن عباس والحسن البصري والزهري وربيعة ومالك والشافعي في القديم أنه يؤكل صيده، ويرد عليهم قوله تعالى: مما أمسكن عليكم، وقوله صلى الله عليه وسلم لعدي بن حاتم: «إذا أرسلت كلبك المعلم وذكرت اسم الله عليه فكل ما أمسك عليك» وهو في الصحيحين وغيرهما، وفي لفظ لهما: «فإن أكل فلا تأكل فإني أخاف أن يكون أمسك على نفسه» . وأما ما أخرجه أبو داود بإسناد جيد من حديث أبي ثعلبة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا أرسلت كلبك المعلم وذكرت اسم الله فكل وإن أكل منه» . وقد أخرجه أيضا بإسناد جيد من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده. وأخرجه أيضا النسائي، فقد جمع بعض الشافعية بين هذه الأحاديث بأنه إن أكل عقب ما أمسكه فإنه يحرم لحديث عدي بن حاتم، وإن أمسكه ثم انتظر صاحبه فطال عليه الانتظار وجاع فأكل من الصيد لجوعه لا لكونه أمسكه على نفسه فإنه لا يؤثر ذلك ولا يحرم به الصيد، وحملوا على ذلك حديث أبي ثعلبة الخشني، وحديث عمرو بن شعيب، وهذا جمع حسن. وقال آخرون: إنه إذا أكل الكلب منه حرم لحديث عدي، وإن أكل غيره لم يحرم للحديثين الآخرين وقيل: يحمل حديث أبي ثعلبة على ما إذا أمسكه وخلاه، ثم عاد فأكل منه.
وقد سلك كثير من أهل العلم طريق الترجيح ولم يسلكوا طريق الجمع لما فيها من البعد، قالوا: وحديث عدي بن حاتم أرجح لكونه في الصحيحين. وقد قررت هذا المسلك في شرحي للمنتقى بما يزيد الناظر فيه بصيرة. قوله: واذكروا اسم الله عليه الضمير في عليه يعود إلى ما علمتم أي سموا عليه عند إرساله، أو مما أمسكن عليكم. أي سموا عليه إذا أردتم ذكاته. وقد ذهب الجمهور إلى وجوب التسمية عند إرسال الجارح، واستدلوا بهذه الآية، ويؤيده حديث عدي بن حاتم الثابت في الصحيحين وغيرهما بلفظ:
«إذا أرسلت كلبك فاذكر اسم الله وإذا رميت بسهمك فاذكر اسم الله» . وقال بعض أهل العلم: إن المراد التسمية عند الأكل. قال القرطبي: وهو الأظهر، واستدلوا بالأحاديث التي فيها الإرشاد إلى التسمية وهذا خطأ، فإن النبي صلى الله عليه وسلم قد وقت التسمية بإرسال الكلب وإرسال السهم، ومشروعية التسمية عند الأكل حكم آخر، ومسألة غير هذه المسألة فلا وجه لحمل ما ورد في الكتاب والسنة هنا على ما ورد في التسمية عند الأكل، ولا ملجئ إلى ذلك، وفي لفظ في الصحيحين من حديث عدي: «إن أرسلت كلبك وسميت فأخذ فكل» . وقد ذهب جماعة إلى أن التسمية شرط وذهب آخرون إلى أنها سنة فقط، وذهب جماعة إلى أنها شرط على الذاكر لا الناسي، وهذا أقوى الأقوال وأرجحها. قوله: واتقوا الله إن الله سريع الحساب
#