فتح القدير — ج 2
الشوكاني • التفسير • ج2 ص309
دار ابن كثير، دار الكلم الطيب - دمشق، بيروت
لا يعلمون
والاستدراج: هو الأخذ بالتدريج منزلة بعد منزلة، والدرج: كف الشيء، يقال أدرجته ودرجته، ومنه إدراج الميت في أكفانه وقيل: هو من الدرجة، فالاستدراج: أن يخطو درجة بعد درجة إلى المقصود، ومنه درج الصبي: إذا قارب بين خطاه، وأدرج الكتاب: طواه شيئا بعد شيء، ودرج القوم:
مات بعضهم في أثر بعض والمعنى: سنستدرجهم قليلا قليلا إلى ما يهلكهم، وذلك بإدرار النعم عليهم وإنسائهم شكرها، فينهمكون في الغواية، ويتنكبون طرق الهداية لاغترارهم بذلك وأنه لم يحصل لهم إلا بما لهم عند الله من المنزلة والزلفة، قوله وأملي لهم معطوف على سنستدرجهم، أي: أطيل لهم المدة وأمهلهم وأؤخر عنهم العقوبة، وجملة إن كيدي متين مقررة لما قبلها من الاستدراج والإملاء ومؤكدة له، والكيد: المكر، والمتين: الشديد القوي وأصله من المتن وهو اللحم الغليظ الذي على جانب الصلب.
قال في الكشاف: سماه كيدا، لأنه شبيه بالكيد من حيث إنه في الظاهر إحسان وفي الحقيقة خذلان، والاستفهام في أولم يتفكروا للإنكار عليهم حيث لم يتفكروا في شأن رسول الله صلى الله عليه وسلم وفيما جاء به وما في ما بصاحبهم للاستفهام الإنكاري، وهي في محل رفع بالابتداء، والخبر: بصاحبهم، والجنة: مصدر، أي: وقع منهم التكذيب ولم يتفكروا أي شيء من جنون كائن بصاحبهم كما يزعمون، فإنهم لو تفكروا لوجدوا زعمهم باطلا، وقولهم زورا وبهتانا وقيل إن ما نافية واسمها من جنة وخبرها بصاحبهم، أي: ليس بصاحبهم شيء مما يدعونه من الجنون، فيكون هذا ردا لقولهم: يا أيها الذي نزل عليه الذكر إنك لمجنون «1» ويكون الكلام قد تم عند قوله أولم يتفكروا والوقف عليه من الأوقاف الحسنة، وجملة إن هو إلا نذير مبين مقررة لمضمون ما قبلها، ومبينة لحقيقة حال رسول الله صلى الله عليه وسلم، والاستفهام في أولم ينظروا في ملكوت السماوات والأرض للإنكار والتقريع والتوبيخ ولقصد التعجيب من إعراضهم عن النظر في الآيات البينة الدالة على كمال قدرته وتفرده بالإلهية، والملكوت: من أبنية المبالغة، ومعناه: الملك العظيم وقد تقدم بيانه، والمعنى: إن هؤلاء لم يتفكروا حتى ينتفعوا بالتفكر، ولا نظروا في مخلوقات الله حتى يهتدوا بذلك إلى الإيمان به، بل هم سادرون في ضلالتهم خائضون في غوايتهم لا يعملون فكرا ولا يمعنون نظرا. قوله وما خلق الله من شيء أي: لم ينظروا في ملكوت السموات والأرض ولا فيما خلق الله من شيء من الأشياء كائنا ما كان، فإن في كل مخلوقاته عبرة للمعتبرين وموعظة للمتفكرين، سواء كانت من جلائل مصنوعاته كملكوت السموات والأرض، أو من دقائقها من سائر مخلوقاته، قوله:
وأن عسى أن يكون قد اقترب أجلهم معطوف على ملكوت، وأن هي المخففة من الثقيلة واسمها ضمير الشأن وخبرها عسى وما بعدها: أي: أو لم ينظروا في أن الشأن والحديث عسى أن يكون قد اقترب أجلهم فيموتون عن قريب. والمعنى: إنهم إذا كانوا يجوزون قرب آجالهم فما لهم لا ينظرون فيما يهتدون به وينتفعون بالتفكر فيه والاعتبار به فبأي حديث بعده يؤمنون الضمير يرجع إلى ما تقدم من التفكر والنظر في الأمور المذكورة، أي: فبأي حديث بعد هذا الحديث المتقدم بيانه يؤمنون؟ وفي هذا الاستفهام من التقريع والتوبيخ ما لا يقادر قدره وقيل: الضمير للقرآن، وقيل: لمحمد صلى الله عليه وسلم، وقيل: للأجل المذكور قبله، وجملة