فتح القدير — ج 3
الشوكاني • التفسير • ج3 ص161
دار ابن كثير، دار الكلم الطيب - دمشق، بيروت
فكيف يقال لهم بعد ذلك ادخلوها على قراءة الجمهور؟ فإن الأمر لهم بالدخول يشعر بأنهم لم يكونوا فيها.
وأجيب بأن المعنى أنهم لما صاروا في الجنات، فإذا انتقلوا من بعضها إلى بعض يقال لهم عند الوصول إلى التي أرادوا الانتقال إليها ادخلوها، ومعنى بسلام آمنين بسلامة من الآفات، وأمن من المخافات، أو مسلمين على بعضهم بعضا، أو مسلما عليهم من الملائكة، أو من الله عز وجل. ونزعنا ما في صدورهم من غل الغل: الحقد والعداوة، وقد مر تفسيره في الأعراف، وانتصاب إخوانا على الحال، أي: إخوة في الدين والتعاطف على سرر متقابلين أي: حال كونهم على سرر، وعلى صورة مخصوصة وهي التقابل، ينظر بعضهم إلى وجه بعض، والسرر جمع سرير، وقيل: هو المجلس الرفيع المهيأ للسرور، ومنه قولهم:
سر الوادي لأفضل موضع منه لا يمسهم فيها نصب أي: تعب وإعياء لعدم وجود ما يتسبب عنه ذلك في الجنة لأنها نعيم خالص، ولذة محضة، تحصل لهم بسهولة، وتوافيهم مطالبهم بلا كسب ولا جهد، بل بمجرد خطور شهوة الشيء بقلوبهم يحصل ذلك الشيء عندهم صفوا عفوا وما هم منها بمخرجين أبدا، وفي هذا الخلود الدائم وعلمهم به تمام اللذة وكمال النعيم، فإن علم من هو في نعمة ولذة بانقطاعها وعدمها بعد حين موجب لتنغص نعيمه وتكدر لذته، ثم قال سبحانه بعد أن قص علينا ما للمتقين عنده من الجزاء العظيم والأجر الجزيل نبئ عبادي أني أنا الغفور الرحيم أي: أخبرهم يا محمد أني أنا الكثير المغفرة لذنوبهم، الكثير الرحمة لهم، كما حكمت به على نفسي: «أن رحمتي سبقت غضبي» . اللهم اجعلنا من عبادك الذين تفضلت عليهم بالمغفرة، وأدخلتهم تحت واسع الرحمة. ثم إنه سبحانه لما أمر رسوله بأن يخبر عباده بهذه البشارة العظيمة، أمره بأن يذكر لهم شيئا مما يتضمن التخويف والتحذير حتى يجتمع الرجاء والخوف، ويتقابل التبشير والتحذير ليكونوا راجين خائفين فقال: وأن عذابي هو العذاب الأليم أي: الكثير الإيلام، وعند ما جمع الله لعباده بين هذين الأمرين من التبشير والتحذير صاروا في حالة وسطا بين اليأس والرجاء، وخير الأمور أوساطها، وهي القيام على قدمي الرجاء والخوف، وبين حالتي الأنس والهيبة، وجملة ونبئهم عن ضيف إبراهيم معطوفة على جملة نبىء عبادي أي: أخبرهم بما جرى على إبراهيم من الأمر الذي اجتمع فيه له الرجاء والخوف، والتبشير الذي خالطه نوع من الوجل ليعتبروا بذلك ويعلموا أنها سنة الله سبحانه في عباده. وأيضا لما اشتملت القصة على إنجاء المؤمنين وإهلاك الظالمين كان في ذلك تقديرا لكونه الغفور الرحيم وأن عذابه هو العذاب الأليم، وقد مر تفسير هذه القصة في سورة هود، وانتصاب إذ دخلوا عليه بفعل مضمر معطوف على نبئ عبادي أي: واذكر لهم دخولهم عليه، أو في محل نصب على الحال، والضيف في الأصل مصدر، ولذلك وحد وإن كانوا جماعة، وسمي ضيفا لإضافته إلى المضيف فقالوا سلاما أي: سلمنا سلاما قال إنا منكم وجلون أي: فزعون خائفون، وإنما قال هذا بعد أن قرب إليهم العجل فرآهم لا يأكلون منه، كما تقدم في سورة هود: فلما رأى أيديهم لا تصل إليه نكرهم وأوجس منهم خيفة «1» . وقيل: أنكر السلام منهم لأنه لم يكن في بلادهم، وقيل: أنكر دخولهم عليه بغير استئذان