فتح القدير — ج 3
الشوكاني • التفسير • ج3 ص180
دار ابن كثير، دار الكلم الطيب - دمشق، بيروت
وجه للاقتصار في تفسير هذه الآية على نوع من هذه الأنواع، بل المراد أنه سبحانه يخلق ما لا يعلم به العباد، فيشمل كل شيء لا يحيط علمهم به، والتعبير هنا بلفظ المستقبل لاستحضار الصورة لأنه سبحانه قد خلق ما لا يعلم به العباد وعلى الله قصد السبيل القصد مصدر بمعنى الفاعل، فالمعنى وعلى الله قاصد السبيل أي: هداية قاصد الطريق المستقيم بموجب وعده المحتوم وتفضله الواسع وقيل: هو على حذف مضاف، والتقدير: وعلى الله بيان قصد السبيل، والسبيل: الإسلام، وبيانه بإرسال الرسل وإقامة الحجج والبراهين، والقصد في السبيل هو كونه موصلا إلى المطلوب، فالمعنى: وعلى الله بيان الطريق الموصل إلى المطلوب ومنها جائر الضمير في «منها» راجع إلى السبيل بمعنى الطريق، لأنها تذكر وتؤنث وقيل: راجع إليها بتقدير مضاف، أي: ومن جنس السبيل جائر مائل عن الحق عادل منه، فلا يهتدي به، ومنه قول امرئ القيس:
ومن الطريقة جائر وهدى ... قصد السبيل منه ذو دخل «1»
وقيل: إن الطريق كناية عن صاحبها، والمعنى: ومنهم جائر عن سبيل الحق أي: عادل عنه، فلا يهتدي إليه قيل وهم أهل الأهواء المختلفة، وقيل: أهل الملل الكفرية، وفي مصحف عبد الله: «ومنكم جائر» وكذا قرأ علي ولو شاء لهداكم أجمعين أي: ولو شاء أن يهديكم جميعا إلى الطريق الصحيح، والمنهج الحق لفعل ذلك، ولكنه لم يشأ، بل اقتضت مشيئته سبحانه إراءة الطريق والدلالة عليها: وهديناه النجدين، وأما الإيصال إليها بالفعل فذلك يستلزم أن لا يوجد في العباد كافر، ولا من يستحق النار من المسلمين، وقد اقتضت المشيئة الربانية أنه يكون البعض مؤمنا والبعض كافرا، كما نطق بذلك القرآن في غير موضع.
وقد أخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال: «لما نزل أتى أمر الله ذعر أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى نزلت فلا تستعجلوه فسكنوا» . وأخرج عبد الله بن أحمد في زوائد الزهد، وابن جرير وابن أبي حاتم عن أبي بكر بن حفص قال: «لما نزلت أتى أمر الله قاموا، فنزلت فلا تستعجلوه» .
وأخرج ابن مردويه من طريق الضحاك عن ابن عباس أتى أمر الله قال: خروج محمد صلى الله عليه وسلم. وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن جريج قال: «لما نزلت هذه الآية أتى أمر الله قال رجال من المنافقين بعضهم لبعض: إن هذا يزعم أن أمر الله أتى، فأمسكوا عن بعض ما كنتم تعملون حتى تنظروا ما هو كائن، فلما رأوا أنه لا ينزل شيء قالوا: ما نراه نزل شيء، فنزلت: اقترب للناس حسابهم «2» ، فقالوا: إن هذا يزعم مثلها أيضا، فلما رأوا أنه لا ينزل شيء قالوا: ما نراه نزل شيء، فنزلت: ولئن أخرنا عنهم العذاب إلى أمة معدودة الآية» «3» . وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن الضحاك في قوله: أتى أمر الله قال: الأحكام والحدود والفرائض. وأخرج هؤلاء عن ابن عباس في قوله: ينزل الملائكة بالروح قال:
بالوحي. وأخرج سعيد بن منصور وابن المنذر وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ في العظمة، وابن مردويه والبيهقي عنه قال الروح: أمر من أمر الله وخلق من خلق الله، وصورهم على صورة بني آدم، وما ينزل من السماء