فتح القدير — ج 3
الشوكاني • التفسير • ج3 ص200
دار ابن كثير، دار الكلم الطيب - دمشق، بيروت
له وحده يخضع وينقاد لا لغيره ما في السموات جميعا، وما في الأرض من دابة تدب على الأرض، والمراد به كل دابة. قال الأخفش: هو كقولك ما أتاني من رجل مثله، وما أتاني من الرجال مثله. وقد دخل في عموم ما في السموات وما في الأرض جميع الأشياء الموجودة فيهما، وإنما خص الدابة بالذكر لأنه قد علم من قوله: أولم يروا إلى ما خلق الله من شيء انقياد الجمادات، وعطف الملائكة على ما قبلهم تشريفا لهم، وتعظيما لدخولهم في المعطوف عليه وهم لا يستكبرون أي: والحال أنهم لا يستكبرون عن عبادة ربهم والمراد الملائكة ويحتمل أن تكون الجملة مستأنفة. وفي هذا رد على قريش حيث زعموا أن الملائكة بنات الله، ويجوز أن تكون حالا من فاعل يسجد وما عطف عليه، أي: يسجد لله ما في السموات وما في الأرض والملائكة وهم جميعا لا يستكبرون عن السجود يخافون ربهم من فوقهم هذه الجملة في محل نصب على الحال، أي: حال كونهم يخافون ربهم من فوقهم، أو جملة مستأنفة لبيان نفي استكبارهم، ومن آثار الخوف عدم الاستكبار، ومن فوقهم متعلق بيخافون على حذف مضاف، أي: يخافون عذاب ربهم من فوقهم، أو يكون حالا من الرب، أي: يخافون ربهم حال كونه من فوقهم، وقيل: معنى يخافون ربهم من فوقهم يخافون الملائكة فيكون على حذف المضاف، أي: يخافون ملائكة ربهم كائنين من فوقهم، وهو تكلف لا حاجة إليه، وإنما اقتضى مثل هذه التأويلات البعيدة المحماة على مذاهب قد رسخت في الأذهان، وتقررت في القلوب، قيل: وهذه المخافة هي مخافة الإجلال، واختاره الزجاج فقال: يخافون ربهم خوف مجلين، ويدل على صحة هذا المعنى قوله: وهو القاهر فوق عباده «1» ، وقوله إخبارا عن فرعون:
وإنا فوقهم قاهرون «2» . ويفعلون ما يؤمرون أي: ما يؤمرون به من طاعة الله، يعني الملائكة، أو جميع من تقدم ذكره، وحمل هذه الجمل على الملائكة أولى لأن في مخلوقات الله من يستكبر عن عباده، ولا يخافه ولا يفعل ما يؤمر به، كالكفار والعصاة الذين لا يتصفون بهذه الصفات وإبليس وجنوده.
وقد أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس في قوله: والذين هاجروا في الله من بعد ما ظلموا قال: هم قوم من أهل مكة هاجروا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد ظلمهم. وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن أبي حاتم وابن عساكر عن داود بن أبي هند قال: نزلت هذه الآية في أبي جندل بن سهيل.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: والذين هاجروا في الله الآية قال: هؤلاء أصحاب محمد ظلمهم أهل مكة، فأخرجوهم من ديارهم، حتى لحق طوائف منهم بأرض الحبشة، ثم بوأهم الله المدينة بعد ذلك فجعلها لهم دار هجرة، وجعل لهم أنصارا من المؤمنين ولأجر الآخرة أكبر قال: أي والله لما يصيبهم الله من جنته ونعمته أكبر لو كانوا يعلمون. وأخرج ابن جرير المنذر عن الشعبي في قوله: في الدنيا حسنة قال: المدينة. وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في الآية قال: لنرزقنهم في الدنيا رزقا حسنا. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم