شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

فتح القدير — ج 3

الشوكاني • التفسير • ج3 ص217

دار ابن كثير، دار الكلم الطيب - دمشق، بيروت

والمعروف، وانتصاب سرا وجهرا على الحال، أي: ينفق منه في حال السر وحال الجهر والمراد بيان عموم الإنفاق للأوقات، وتقديم السر على الجهر مشعر بفضيلته عليه، وأن الثواب فيه أكثر وقيل: إن من في ومن رزقناه موصوفة كأنه قيل: وحرا رزقناه ليطابق عبدا هل يستوون أي: الحر والعبد الموصوفان بالصفات المتقدمة، وجمع الضمير لمكان من لأنه اسم مبهم يستوي فيه الواحد والاثنان والجمع والمذكر والمؤنث وقيل: إنه أريد بالعبد والموصول الذي هو عبادة عن الحر الجنس، أي: من اتصف بتلك الأوصاف من الجنسين، والاستفهام للإنكار، أي: هل يستوي العبيد والأحرار الموصوفون بتلك الصفات مع كون كلا الفريقين مخلوقين لله سبحانه من جملة البشر، ومن المعلوم أنهم لا يستوون عندهم، فكيف يجعلون لله سبحانه شركاء لا يملكون لهم ضرا ولا نفعا، ويجعلونهم مستحقين للعبادة مع الله سبحانه؟

وحاصل المعنى: أنه كما لا يستوي عندكم عبد مملوك لا يقدر من أمره على شيء ورجل حر قد رزقه الله رزقا حسنا فهو ينفق منه، كذلك لا يستوي الرب الخالق الرازق والجمادات من الأصنام التي تعبدونها وهي لا تبصر ولا تسمع ولا تضر ولا تنفع وقيل: المراد بالعبد المملوك في الآية هو الكافر المحروم من طاعة الله وعبوديته، والآخر هو المؤمن والغرض أنهما لا يستويان في الرتبة والشرف وقيل: العبد هو الصنم، والثاني عابد الصنم، والمراد أنهما لا يستويان في القدرة والتصرف لأن الأول جماد، والثاني إنسان الحمد لله أي: الحمد لله كله لأنه المنعم لا يستحق غيره من العباد شيئا منه، فكيف تستحق الأصنام منه شيئا ولا نعمة منها أصلا لا بالأصالة ولا بالتوسط وقيل: أراد الحمد لله على ما أنعم به على أوليائه من نعمة التوحيد وقيل: أراد قل الحمد لله، والخطاب إما لمحمد صلى الله عليه وسلم أو لمن رزقه الله رزقا حسنا وقيل: إنه لما ذكر مثلا مطابقا للغرض كاشفا عن المقصود قال الحمد لله، أي: على قوة هذه الحجة بل أكثرهم لا يعلمون ذلك حتى يعبدوا من تحق له العبادة ويعرفوا المنعم عليهم بالنعم الجليلة، ونفي العلم عنهم إما لكونهم من الجهل بمنزلة لا يفهمون بسببها ما يجب عليهم، أو هم يتركون الحق عنادا مع علمهم به فكانوا كمن لا علم له، وخص الأكثر بنفي العلم إما لكونه يريد الخلق جميعا، وأكثرهم المشركون، أو ذكر الأكثر وهو يريد الكل، أو المراد أكثر المشركين، لأن فيهم من يعلم ولا يعمل بموجب العلم. ثم ذكر سبحانه مثلا ثانيا ضربه لنفسه، ولما يفيض على عباده من النعم الدينية والدنيوية، وللأصنام التي هي أموات لا تضر ولا تنفع فقال: وضرب الله مثلا أي: مثلا آخر أوضح مما قبله وأظهر منه، ورجلين بدل من مثل وتفسير له، والأبكم:

العيي المفحم وقيل: هو الأقطع اللسان الذي لا يحسن الكلام، وروى ثعلب عن ابن الأعرابي أنه الذي لا يسمع ولا يبصر، ثم وصف الأبكم فقال: لا يقدر على شيء من الأشياء المتعلقة بنفسه أو بغيره لعدم فهمه وعدم قدرته على النطق، ومعنى كل على مولاه ثقيل على وليه وقرابته وعيال على من يلي أمره ويعوله ووبال على إخوانه، وقد يسمى اليتيم كلا لثقله على من يكفله، ومنه قول الشاعر:

أكول لمال الكل قبل شبابه ... إذا كان عظم الكل غير شديد

وفي هذا بيان لعدم قدرته على إقامة مصالح نفسه بعد ذكر عدم قدرته على شيء مطلقا. ثم وصفه بصفة

#

الصفحة السابقة الصفحة التالية