فتح القدير — ج 3
الشوكاني • التفسير • ج3 ص300
دار ابن كثير، دار الكلم الطيب - دمشق، بيروت
أدخلني فيما أمرتني به، وأخرجني مما نهيتني عنه وقيل: إدخاله موضع الأمن وإخراجه من بين المشركين، وهو كالقول الأول وقيل: المراد إدخال عز وإخراج نصر وقيل: المعنى: أدخلني في الأمر الذي أكرمتني به من النبوة مدخل صدق، وأخرجني منه إذا أمتني مخرج صدق وقيل: أدخلني القبر عند الموت مدخل صدق، وأخرجني منه عند البعث مخرج صدق وقيل: أدخلني حيثما أدخلتني بالصدق وأخرجني بالصدق وقيل: الآية عامة في كل ما تتناوله من الأمور فهي دعاء، ومعناها: رب أصلح لي وردي في كل الأمور وصدري عنها واجعل لي من لدنك سلطانا نصيرا أي: حجة ظاهرة قاهرة تنصرني بها على جميع من خالفني، وقيل: اجعل لي من لدنك ملكا وعزا قويا، وكأنه صلى الله عليه وسلم علم أنه لا طاقة له بهذا الأمر إلا بسلطان فسأل سلطانا نصيرا. وبه قال الحسن وقتادة واختاره ابن جرير. قال ابن كثير: وهو الأرجح، لأنه لا بد مع الحق من قهر لمن عاداه وناوأه، ولهذا يقول تعالى: لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد ومنافع للناس وليعلم الله من ينصره ورسله بالغيب «1» .
وفي الحديث: «إن الله ليزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن» أي: ليمنع بالسلطان عن ارتكاب الفواحش والآثام ما لا يمنع كثيرا من الناس بالقرآن، وما فيه من الوعيد الأكيد والتهديد الشديد، وهذا هو الواقع، انتهى.
وقل جاء الحق وزهق الباطل المراد بالحق الإسلام، وقيل: القرآن، وقيل: الجهاد، ولا مانع من حمل الآية على جميع ذلك وعلى ما هو حق كائنا ما كان، والمراد بالباطل الشرك وقيل: الشيطان ولا يبعد أن يحمل على كل ما يقابل الحق من غير فرق بين باطل وباطل. ومعنى زهق: بطل واضمحل، ومنه زهوق النفس وهو بطلانها إن الباطل كان زهوقا أي: إن هذا شأنه فهو يبطل ولا يثبت، والحق ثابت دائما وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين قرأ الجمهور ننزل بالنون «2» . وقرأ أبو عمرو بالتخفيف. وقرأ مجاهد بالياء التحتية والتخفيف، ورواها المروزي عن حفص، ومن لابتداء الغاية، ويصح أن تكون لبيان الجنس، وقيل: للتبعيض، وأنكره بعض المفسرين لاستلزامه أن بعضه لا شفاء فيه، ورده ابن عطية بأن المبعض هو إنزاله.
واختلف أهل العلم في معنى كونه شفاء على القولين الأول: أنه شفاء للقلوب بزوال الجهل عنها وذهاب الريب وكشف الغطاء عن الأمور الدالة على الله سبحانه. القول الثاني: أنه شفاء من الأمراض الظاهرة بالرقى والتعوذ ونحو ذلك، ولا مانع من حمل الشفاء على المعنيين من باب عموم المجاز، أو من باب حمل المشترك على معنييه. ثم ذكر سبحانه أنه رحمة للمؤمنين لما فيه من العلوم النافعة المشتملة على ما فيه صلاح الدين والدنيا، ولما في تلاوته وتدبره من الأجر العظيم الذي يكون سببا لرحمة الله سبحانه ومغفرته ورضوانه، ومثل هذه الآية قوله تعالى: قل هو للذين آمنوا هدى وشفاء، والذين لا يؤمنون في آذانهم وقر وهو عليهم عمى «3» .
ثم لما ذكر سبحانه ما في القرآن من المنفعة لعباده المؤمنين ذكر ما فيه لمن عداهم من المضرة عليهم فقال: ولا يزيد الظالمين إلا خسارا أي: ولا يزيد القرآن كله أو كل بعض منه الظالمين الذي وضعوا التكذيب موضع