فتح القدير — ج 3
الشوكاني • التفسير • ج3 ص301
دار ابن كثير، دار الكلم الطيب - دمشق، بيروت
التصديق، والشك والارتياب موضع اليقين والاطمئنان إلا خسارا أي: هلاكا لأن سماع القرآن يغيظهم ويحنقهم ويدعوهم إلى زيادة ارتكاب القبائح تمردا وعنادا، فعند ذلك يهلكون وقيل: الخسار:
النقص، كقوله: فزادتهم رجسا إلى رجسهم «1» ثم نبه سبحانه على فتح بعض ما جبل عليه الإنسان من الطبائع المذمومة فقال: وإذا أنعمنا على الإنسان أي: على هذا الجنس بالنعم التي توجب الشكر كالصحة والغنى أعرض عن الشكر لله والذكر له ونأى بجانبه النأي: البعد، والباء للتعدية أو للمصاحبة، وهو تأكيد للإعراض، لأن الإعراض عن الشيء هو أن يوليه عرض وجهه، أي: ناحيته، والنأي بالجانب أن يلوي عنه عطفه ويوليه ظهره، ولا يبعد أن يراد بالإعراض هنا الإعراض عن الدعاء والابتهال الذي كان يفعله عند نزول البلوى والمحنة به، ويراد بالنأي بجانبه التكبر والبعد بنفسه عن القيام بحقوق النعم. وقرأ ابن عامر في رواية ابن ذكوان وأبو جعفر «ناء» مثل باغ بتأخير الهمزة على القلب، وقرأ حمزة «نئي» بإمالة الفتحتين، ووافقه الكسائي، وأمال شعبة والسوسي الهمزة فقط. وقرأ الباقون بالفتح فيهما. وإذا مسه الشر من مرض أو فقر كان يؤسا شديد اليأس من رحمة الله والمعنى: أنه إن فاز بالمطلوب الدنيوي، وظفر بالمقصود نسي المعبود، وإن فاته شيء من ذلك استولى عليه الأسف، وغلب عليه القنوط، وكلتا الخصلتين قبيحة مذمومة، ولا ينافي ما في هذه الآية قوله تعالى: وإذا مسه الشر فذو دعاء عريض «2» ونظائره، فإن ذلك شأن بعض آخر منهم غير البعض المذكور في هذه الآية، ولا يبعد أن يقال لا منافاة بين الآيتين فقد يكون مع شدة يأسه وكثرة قنوطه كثير الدعاء بلسانه قل كل يعمل على شاكلته الشاكلة قال الفراء: الطريقة، وقيل: الناحية، وقيل: الطبيعة، وقيل: الدين، وقيل: النية، وقيل: الجبلة، وهي مأخوذة من الشكل، يقال: لست على شكلي ولا على شاكلتي، والشكل: هو المثل والنظير. والمعنى:
أن كل إنسان يعمل على ما يشاكل أخلاقه التي ألفها، وهذا ذم للكافر ومدح للمؤمن فربكم أعلم بمن هو أهدى سبيلا لأنه الخالق لكم العالم بما جبلتم عليه من الطبائع وما تباينتم فيه من الطرائق، فهو الذي يميز بين المؤمن الذي لا يعرض عند النعمة ولا ييأس عند المحنة، وبين الكافر الذي شأنه البطر للنعم والقنوط عند النقم. ثم لما انجر الكلام إلى ذكر الإنسان وما جبل عليه، ذكر سبحانه سؤال السائلين لرسول الله صلى الله عليه وسلم عن الروح فقال: ويسئلونك عن الروح قد اختلف الناس في الروح المسؤول عنه، فقيل: هو الروح المدبر للبدن الذي تكون به حياته، وبهذا قال أكثر المفسرين. قال الفراء: الروح الذي يعيش به الإنسان لم يخبر الله سبحانه به أحدا من خلقه، ولم يعط علمه أحدا من عباده، فقال: قل الروح من أمر ربي أي: إنكم لا تعملونه، وقيل: الروح المسؤول عنه جبريل، وقيل: عيسى، وقيل: القرآن، وقيل: ملك من الملائكة عظيم الخلق، وقيل: خلق كخلق بني آدم، وقيل غير ذلك مما لا طائل تحته ولا فائدة في إيراده، والظاهر القول الأول، وسيأتي ذكر سبب نزول هذه الآية، وبيان السائلين لرسول الله صلى الله عليه وسلم عن الروح، ثم الظاهر أن السؤال عن حقيقة الروح، لأن معرفة حقيقة الشيء أهم وأقدم من معرفة حال من أحواله، ثم