فتح القدير — ج 3
الشوكاني • التفسير • ج3 ص312
دار ابن كثير، دار الكلم الطيب - دمشق، بيروت
الخمس التي في الأعراف، والبحر، والعصا، والحجر، والطمس على أموالهم. وقد تقدم الكلام على هذه الآيات مستوفى، وسيأتي حديث صفوان بن عسال في تعداد هذه الآيات التسع. فسئل بني إسرائيل قرأ ابن عباس وابن نهيك «فسئل» على الخبر، أي: سأل موسى فرعون أن يخلي بني إسرائيل ويطلق سبيلهم ويرسلهم معه، وقرأ الآخرون فسئل على الأمر، أي: سلهم يا محمد حين جاءهم موسى، والسؤال سؤال استشهاد لمزيد الطمأنينة والإيقان لأن الأدلة إذا تضافرت كان ذلك أقوى، والمسؤولون مؤمنو بني إسرائيل كعبد الله بن سلام وأصحابه فقال له فرعون إني لأظنك يا موسى مسحورا الفاء هي الفصيحة، أي فأظهر موسى عند فرعون ما آتيناه من الآيات البينات وبلغه ما أرسل به فقال له فرعون.
المسحور: الذي سحر فخولط عقله. وقال أبو عبيدة والفراء: هو بمعنى الساحر، فوضع المفعول موضع الفاعل، ف قال لقد علمت ما أنزل هؤلاء يعني الآيات التي أظهرها، وأنزل بمعنى أوجد إلا رب السماوات والأرض بصائر أي: دلالات يستدل بها على قدرته ووحدانيته، وانتصاب بصائر على الحال.
قرأ الكسائي بضم التاء من علمت على أنها لموسى، وروي ذلك عن علي، وقرأ الباقون بفتحها على الخطاب لفرعون. ووجه القراءة الأولى أن فرعون لم يعلم ذلك، وإنما علمه موسى. ووجه قراءة الجمهور أن فرعون كان عالما بذلك كما قال تعالى: وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلما وعلوا «1» قال أبو عبيد: المأخوذ به عندنا فتح التاء، وهو الأصح للمعنى، لأن موسى لا يقول علمت أنا وهو الداعي، وروي نحو هذا عن الزجاج وإني لأظنك يا فرعون مثبورا الظن هنا بمعنى اليقين، والثبور: الهلاك والخسران. قال الكميت:
ورأت قضاعة في الأيا ... من رأي مثبور وثابر
أي: مخسور وخاسر، وقيل: المثبور: الملعون، ومنه قول الشاعر «2» :
يا قومنا لا تروموا حربنا سفها ... إن السفاه وإن البغي مثبور
أي: ملعون، وقيل: المثبور: ناقص العقل، وقيل: هو الممنوع من الخير، يقال: ما ثبرك عن كذا ما منعك منه، حكاه أهل اللغة، وقيل: المسحور فأراد أن يستفزهم من الأرض أي: أراد فرعون أن يخرج بني إسرائيل وموسى ويزعجهم من الأرض، يعني أرض مصر بإبعادهم عنها، وقيل: أراد أن يقتلهم وعلى هذا يراد بالأرض مطلق الأرض، وقد تقدم قريبا معنى الاستفزاز فأغرقناه ومن معه جميعا فوقع عليه وعليهم الهلاك بالغرق، ولم يبق منهم أحدا وقلنا من بعده لبني إسرائيل اسكنوا الأرض أي: من بعد إغراقه ومن معه، والمراد بالأرض هنا: أرض مصر التي أراد أن يستفزهم منها فإذا جاء وعد الآخرة أي: الدار الآخرة وهو القيامة، أو الكرة الآخرة، أو الساعة الآخرة جئنا بكم لفيفا قال الجوهري:
اللفيف ما اجتمع من الناس من قبائل شتى، يقال: جاء القوم بلفهم ولفيفهم، أي: بأخلاطهم، فالمراد هنا