فتح القدير — ج 3
الشوكاني • التفسير • ج3 ص324
دار ابن كثير، دار الكلم الطيب - دمشق، بيروت
والفتية جمع قلة، وزدناهم هدى بالتثبيت والتوفيق، وفيه التفات من الغيبة إلى الخطاب وربطنا على قلوبهم أي: قويناها بالصبر على هجر الأهل والأوطان، وفراق الخلان والأخدان إذ قاموا الظرف منصوب بربطنا. واختلف أهل التفسير في هذا القيام على أقوال، فقيل: إنهم اجتمعوا وراء المدينة من غير ميعاد، فقال رجل منهم هو أكبر القوم: إني لأجد في نفسي شيئا، إن ربي رب السماوات والأرض، فقالوا: ونحن أيضا كذلك نجد في أنفسنا، فقاموا جميعا فقالوا ربنا رب السماوات والأرض قاله مجاهد.
وقال أكثر المفسرين: إنه كان لهم ملك جبار يقال له دقيانوس، وكان يدعو الناس إلى عبادة الطواغيت، فثبت الله هؤلاء الفتية وعصمهم حتى قاموا بين يديه فقالوا ربنا رب السماوات والأرض وقال عطاء ومقاتل: إنهم قالوا ذلك عند قيامهم من النوم لن ندعوا من دونه إلها أي: لن نعبد معبودا آخر غير الله لا اشتراكا ولا استقلالا لقد قلنا إذا شططا أي: قولا ذا شطط، أو قولا هو نفس الشطط لقصد المبالغة بالوصف بالمصدر واللام هي الموطئة للقسم، والشطط: الغلو ومجاوزة الحد. قال أعشى بني قيس:
أتنتهون ولن ينهى ذوي شطط ... كالطعن يذهب فيه الزيت والفتل
هؤلاء قومنا اتخذوا من دونه آلهة هؤلاء مبتدأ، وخبره اتخذوا، وقومنا عطف بيان، وفي هذا الإخبار معنى للإنكار، وفي الإشارة إليهم تحقير لهم لولا يأتون عليهم بسلطان بين أي: هلا يأتون بحجة ظاهرة تصلح للتمسك بها فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا فزعم أن له شريكا في العبادة، أي: لا أحد أظلم منه وإذ اعتزلتموهم أي: فارقتموهم وتنحيتم عنهم جانبا، أي: عن العابدين للأصنام، وقوله: وما يعبدون إلا الله معطوف على الضمير المنصوب، و «ما» موصولة أو مصدرية، أي: وإذ اعتزلتموهم واعتزلتم معبودهم أو الذي يعبدونه، وقوله: إلا الله استثناء منقطع على تقدير أنهم لم يعبدوا إلا الأصنام، أو متصل على تقدير أنهم أشركوها في العبادة مع الله سبحانه، وقيل: هو دليل على جوابه، أي: إذ اعتزلتموهم اعتزالا اعتقاديا، فاعتزلوهم اعتزالا جسمانيا، وإذا أردتم اعتزالهم فافعلوا ذلك بالالتجاء إلى الكهف ينشر لكم ربكم من رحمته أي: يبسط ويوسع ويهيئ لكم من أمركم مرفقا أي: يسهل وييسر لكم من أمركم الذي أنتم بصدده مرفقا المرفق بفتح الميم وكسرها لغتان قرئ بهما، مأخوذ من الارتفاق وهو الانتفاع وقيل: فتح الميم أقيس، وكسرها أكثر. قال الفراء: وأكثر العرب على كسر الميم من الأمر، ومن مرفق الإنسان، وقد تفتح العرب الميم فيهما، فهما لغتان، وكأن الذين فتحوا أرادوا أن يفرقوا بين المرفق من الأمر، والمرفق من الإنسان. وقال الكسائي: الكسر في مرفق اليد، وقيل: المرفق بالكسر ما ارتفقت به، والمرفق: بالفتح الأمر الرافق، والمراد هنا ما يرتفقون به وينتفعون بحصوله، والتقديم في الموضعين يفيد الاختصاص.
وقد أخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قال: الرقيم: الكتاب.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم من طريق العوفي عنه قال: الرقيم: واد دون فلسطين قريب من أيلة. والراويان
#