شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

فتح القدير — ج 3

الشوكاني • التفسير • ج3 ص327

دار ابن كثير، دار الكلم الطيب - دمشق، بيروت

انكشاف الحال وظهور القدرة الباهرة، والاقتصار على علة التساؤل لا ينفي غيرها، وإنما أفرده لاستتباعه لسائر الآثار، وجملة: قال قائل منهم كم لبثتم مبينة لما قبلها من التساؤل، أي: كم مدة لبثكم في النوم؟

قالوا ذلك لأنهم رأوا في أنفسهم غير ما يعهدونه في العادة قالوا لبثنا يوما أو بعض يوم أي: قال بعضهم جوابا عن سؤال من سأل منهم، قال المفسرون: إنهم دخلوا الكهف غدوة، وبعثهم الله سبحانه آخر النهار، فلذلك قالوا يوما، فلما رأوا الشمس قالوا: أو بعض يوم، وكان قد بقيت بقية من النهار، وقد مر مثل هذا الجواب في قصة عزير في البقرة: قالوا ربكم أعلم بما لبثتم، أي: قال البعض الآخر هذا القول، إما على طريق الاستدلال، أو كان ذلك إلهاما لهم من الله سبحانه، أي: أنكم لا تعلمون مدة لبثكم، وإنما يعلمها الله سبحانه فابعثوا أحدكم بورقكم هذه إلى المدينة أعرضوا عن التحاور في مدة اللبث، وأخذوا في شيء آخر، كأنه قال القائل منهم: اتركوا ما أنتم فيه من المحاورة، وخذوا في شيء آخر مما يهمكم، والفاء للسببية، والورق الفضة مضروبة أو غير مضروبة. وقرأ ابن كثير ونافع وابن عامر والكسائي وحفص عن عاصم بكسر الراء، وقرأ أبو عمرو وحمزة وأبو بكر عن عاصم بسكونها، وقرئ بكسر الراء وإدغام القاف في الكاف، وقرأ ابن محيصن بكسر الواو وسكون الراء. وفي حملهم لهذه الورق معهم دليل على أن إمساك بعض ما يحتاج إليه الإنسان لا ينافي التوكل على الله، والمدينة دقسوس، وهي مدينتهم التي كانوا فيها، ويقال لها اليوم طرسوس، كذا قال الواحدي: فلينظر أيها أزكى طعاما أي: ينظر أي أهلها أطيب طعاما، وأحل مكسبا، أو أرخص سعرا وقيل: يجوز أن يعود الضمير إلى الأطعمة المدلول عليها في المقام، كما يقال:

زيد طبت أبا على أن الأب هو زيد، وفيه بعد. واستدل بالآية على حل ذبائح أهل الكتاب لأن عامة أهل المدينة كانوا كفارا، وفيهم قوم يخفون إيمانهم، ووجه الاستدلال أن الطعام يتناول اللحم كما يتناول غيره مما يطلق عليه اسم الطعام وليتلطف أي: يدقق النظر حتى لا يعرف أو لا يغبن، والأول أولى، ويؤيده ولا يشعرن بكم أحدا أي: لا يفعلن ما يؤدي إلى الشعور ويتسبب له، فهذا النهي يتضمن التأكيد للأمر بالتلطف. ثم علل ما سبق من الأمر والنهي فقال: إنهم إن يظهروا عليكم أي: يطلعوا عليكم ويعلموا بمكانكم، يعني أهل المدينة يرجموكم يقتلوكم بالرجم، وهذه القتلة هي أخبث قتلة، وكان ذلك عادة لهم، ولهذا خصه من بين أنواع ما يقع به القتل أو يعيدوكم في ملتهم أي: يردوكم إلى ملتهم التي كنتم عليها قبل أن يهديكم الله، أو المراد بالعود هنا الصيرورة على تقدير أنهم لم يكونوا على ملتهم، وإيثار كلمة في على كلمة إلى للدلالة على الاستقرار ولن تفلحوا إذا أبدا في إذا معنى الشرط، كأنه قال:

إن رجعتم إلى دينهم فلن تفلحوا إذا أبدا، لا في الدنيا ولا في الآخرة.

وقد أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: تتزاور قال: تميل، وفي قوله: تقرضهم قال: تذرهم. وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله:

تقرضهم قال: تتركهم وهم في فجوة منه قال: المكان الداخل. وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد ابن جبير، قال: الفجوة: الخلوة من الأرض، ويعني بالخلوة: الناحية من الأرض. وأخرج ابن أبي حاتم

#

الصفحة السابقة الصفحة التالية