شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

فتح القدير — ج 3

الشوكاني • التفسير • ج3 ص326

دار ابن كثير، دار الكلم الطيب - دمشق، بيروت

وإذا غربت تقرضهم القرض: القطع. قال الكسائي والأخفش والزجاج وأبو عبيدة: تعدل عنهم وتتركهم، قرضت المكان: عدلت عنه، تقول لصاحبك: هل وردت مكان كذا؟ فيقول: إنما قرضته:

إذا مر به وتجاوز عنه، والمعنى: أن الشمس إذا طلعت مالت عن كهفهم ذات اليمين أي: يمين الكهف، وإذا غربت تمر ذات الشمال أي: شمال الكهف لا تصيبه. بل تعدل عن سمته إلى الجهتين، والفجوة:

المكان المتسع، وجملة وهم في فجوة منه في محل نصب على الحال، وللمفسرين في تفسير هذه الجملة قولان: الأول: أنهم مع كونهم في مكان منفتح انفتاحا واسعا في ظل جميع نهارهم، لا تصيبهم الشمس في طلوعها ولا في غروبها لأن الله سبحانه حجبها عنهم. والثاني: أن باب ذلك الكهف كان مفتوحا إلى جانب الشمال، فإذا طلعت الشمس كانت عن يمين الكهف، وإذا غربت كانت عن يساره، ويؤيد القول الأول قوله: ذلك من آيات الله فإن صرف الشمس عنهم مع توجه الفجوة إلى مكان تصل إليه عادة أنسب بمعنى كونها آية، ويؤيده أيضا إطلاق الفجوة وعدم تقييدها بكونها إلى جهة كذا، ومما يدل على أن الفجوة المكان الواسع قول الشاعر:

ألبست قومك مخزاة ومنقصة ... حتى أبيحوا وحلوا فجوة الدار

ثم أثنى سبحانه عليه بقوله: من يهد الله أي: إلى الحق فهو المهتد الذي ظفر بالهدى، وأصاب الرشد والفلاح ومن يضلل فلن تجد له وليا مرشدا أي: ناصرا يهديه إلى الحق كدقيانوس وأصحابه.

ثم حكى سبحانه طرفا آخر من غرائب أحوالهم، فقال: وتحسبهم أيقاظا جمع يقظ بكسر القاف وفتحها وهم رقود أي: نيام، وهو جمع راقد، كقعود في قاعد. قيل: وسبب هذا الحسبان أن عيونهم كانت مفتحة وهم نيام. وقال الزجاج: لكثرة تقلبهم ونقلبهم ذات اليمين وذات الشمال أي: نقلبهم في رقدتهم إلى الجهتين لئلا تأكل الأرض أجسادهم وكلبهم باسط ذراعيه حكاية حال ماضية لأن اسم الفاعل لا يعمل إذا كان بمعنى المضي كما تقرر في علم النحو. قال أكثر المفسرين: هربوا من ملكهم ليلا، فمروا براع معه كلب فتبعهم. والوصيد، قال أبو عبيد وأبو عبيدة: هو فناء الباب، وكذا قال المفسرون، وقيل:

العتبة، ورد بأن الكهف لا يكون له عتبة ولا باب، وإنما أراد أن الكلب موضع العتبة من البيت لو اطلعت عليهم لوليت منهم فرارا قال الزجاج: فرارا منصوب على المصدرية بمعنى التولية، والفرار: الهرب.

ولملئت قرئ بتشديد اللام وتخفيفها منهم رعبا قرئ بسكون العين وضمها، أي: خوفا يملأ الصدر، وانتصاب رعبا على التمييز، أو على أنه مفعول ثان، وسبب الرعب الهيبة التي ألبسهم الله إياها وقيل:

طول أظفارهم وشعور هم وعظم أجرامهم ووحشة مكانهم، ويدفعه قوله تعالى: لبثنا يوما أو بعض يوم فإن ذلك يدل على أنهم لم ينكروا من حالهم شيئا، ولا وجدوا من أظفارهم وشعورهم ما يدل على طول المدة وكذلك بعثناهم ليتسائلوا بينهم الإشارة إلى المذكور قبله، أي: وكما فعلنا بهم ما فعلنا من الكرامات بعثناهم من نومهم، وفيه تذكير لقدرته على الإماتة والبعث جميعا، ثم ذكر الأمر الذي لأجله بعثهم فقال:

ليتسائلوا بينهم أي: ليقع التساؤل بينهم والاختلاف والتنازع في مدة اللبث لما يترتب على ذلك من

#

الصفحة السابقة الصفحة التالية