فتح القدير — ج 3
الشوكاني • التفسير • ج3 ص347
دار ابن كثير، دار الكلم الطيب - دمشق، بيروت
الفسق أمر ربه. كما تقول: أطعمته عن جوع. والقول الآخر قول قطرب: أن المعنى على حذف المضاف:
أي فسق عن ترك أمره. ثم إنه سبحانه عجب من حال من أطاع إبليس في الكفر والمعاصي وخالف أمر الله، فقال: أفتتخذونه وذريته أولياء كأنه قال: أعقيب ما وجد منه من الإباء والفسق تتخذونه وتتخذون ذريته، أي: أولاده وقيل: أتباعه- مجازا- أولياء من دوني فتطيعونهم بدل طاعتي، وتستبدلونهم بي، والحال أنهم، أي: إبليس وذريته لكم عدو أي: أعداء، وأفرده لكونه اسم جنس، أو لتشبيهه بالمصادر، كما في قوله: فإنهم عدو لي «1» ، وقوله: هم العدو «2» أي: كيف تصنعون هذا الصنع وتستبدلون بمن خلقكم وأنعم عليكم بجميع ما أنتم فيه من النعم؟ بمن لم يكن لكم منه منفعة قط، بل هو عدو لكم يترقب حصول ما يضركم في كل وقت بئس للظالمين بدلا أي: الواضعين للشيء في غير موضعه المستبدلين بطاعة ربهم طاعة الشيطان، فبئس ذلك البدل الذي استبدلوه بدلا عن الله سبحانه ما أشهدتهم خلق السماوات والأرض قال أكثر المفسرين: إن الضمير للشركاء، والمعنى: أنهم لو كانوا شركاء لي في خلق السموات والأرض وفي خلق أنفسهم لكانوا شاهدين خلق ذلك مشركين لي فيه، ولم يشاهدوا ذلك ولا أشهدتهم إياه أنا فليسوا لي بشركاء. وهذا استدلال بانتفاء الملزوم المساوي على انتفاء اللازم. وقيل:
الضمير للمشركين الذين التمسوا طرد فقراء المؤمنين، والمراد أنهم ما كانوا شركاء لي في تدبير العالم بدليل أني ما أشهدتهم خلق السموات والأرض ولا خلق أنفسهم ما اعتضدت بهم بل هم كسائر الخلق وقيل: المعنى: أن هؤلاء الظالمين جاهلون بما جرى به القلم في الأزل لأنهم لم يكونوا مشاهدين خلق العالم، فكيف يمكنهم أن يحكموا بحسن حالهم عند الله، والأول من هذه الوجوه أولى لما يلزم في الوجهين الآخرين من تفكيك الضميرين، وهذه الجملة مستأنفة لبيان عدم استحقاقهم للاتخاذ المذكور، وقرأ أبو جعفر «ما أشهدناهم» ، وقرأ الباقون «ما أشهدتهم» ، ويؤيده وما كنت متخذ المضلين عضدا والعضد يستعمل كثيرا في معنى العون، وذلك أن العضد قوام اليد، ومنه قوله: سنشد عضدك بأخيك «3» أي: سنعينك ونقويك به، ويقال: أعضدت بفلان إذا استعنت به، وذكر العضد على جهة المثل، وخص المضلين بالذكر لزيادة الذم والتوبيخ. والمعنى: ما استعنت على خلق السماوات والأرض بهم ولا شاورتهم، وما كنت متخذ الشياطين أو الكافرين أعوانا، ووحد العضد لموافقة الفواصل. وقرأ أبو جعفر الجحدري «وما كنت» بفتح التاء على أن الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم، أي: وما كنت يا محمد متخذا لهم عضدا، ولا صح لك ذلك، وقرأ الباقون بضم التاء، وفي عضد لغات ثمان أفصحها فتح العين وضم الضاد، وبها قرأ الجمهور. وقرأ الحسن «عضدا» بضم العين والضاد، وقرأ عكرمة بضم العين وإسكان الضاد، وقرأ الضحاك بكسر العين وفتح الضاد، وقرأ عيسى بن عمر بفتحهما، ولغة تميم فتح العين وسكون الضاد. ثم عاد سبحانه إلى ترهيبهم بأحوال القيامة فقال: ويوم يقول نادوا شركائي الذين زعمتم قرأ حمزة ويحيى بن وثاب وعيسى بن عمر «نقول» بالنون، وقرأ الباقون بالياء التحتية أي: اذكر يوم يقول الله عز وجل للكفار توبيخا لهم وتقريعا: نادوا