شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

فتح القدير — ج 3

الشوكاني • التفسير • ج3 ص348

دار ابن كثير، دار الكلم الطيب - دمشق، بيروت

شركائي الذين زعمتم أنهم ينفعونكم ويشفعون لكم، وأضافهم سبحانه إلى نفسه جريا على ما يعتقده المشركون، تعالى الله عن ذلك فدعوهم أي: فعلوا ما أمرهم الله به من دعاء الشركاء فلم يستجيبوا لهم إذ ذاك، أي: لم يقع منهم مجرد الاستجابة لهم، فضلا عن أن ينفعوهم أو يدفعوا عنهم وجعلنا بينهم موبقا أي: جعلنا بين هؤلاء المشركين وبين من جعلوهم شركاء لله موبقا، ذكر جماعة من المفسرين أنه اسم واد عميق، فرق الله به تعالى بينهم، وعلى هذا فهو اسم مكان. قال ابن الأعرابي: كل حاجز بين شيئين فهو موبق. وقال الفراء: الموبق: المهلك. والمعنى: جعلنا تواصلهم في الدنيا مهلكا لهم في الآخرة، يقال: وبق يوبق فهو وبق، هكذا ذكره الفراء في المصادر. وحكى الكسائي وبق يبق وبوقا فهو وابق، والمراد بالمهلك على هذا هو عذاب النار يشتركون فيه. والأول أولى، لأن من جملة من زعموا أنهم شركاء الله الملائكة وعزير والمسيح، فالموبق هو المكان الحائل بينهم. وقال أبو عبيدة: الموبق هنا الموعد للهلاك، وقد ثبت في اللغة أوبقه بمعنى أهلكه، ومنه قول زهير:

ومن يشتري حسن الثناء بماله ... يصن عرضه عن كل شنعاء موبق

ولكن المناسب لمعنى الآية هو المعنى الأول ورأى المجرمون النار فظنوا أنهم مواقعوها المجرمون موضوع موضع الضمير للإشارة إلى زيادة الذم لهم بهذا الوصف المسجل عليهم به، والظن هنا بمعنى اليقين.

والمواقعة: المخالطة بالوقوع فيها وقيل: إن الكفار يرون النار من مكان بعيد فيظنون ذلك ظنا ولم يجدوا عنها مصرفا أي: معدلا يعدلون إليه، أو انصرافا لأن النار قد أحاطت بهم من كل جانب. قال الواحدي: المصرف: الموضع الذي ينصرف إليه. وقال القتبي: أي معدلا ينصرفون إليه، وقيل: ملجأ يلجئون إليه. والمعنى متقارب في الجميع.

وقد أخرج ابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: وترى الأرض بارزة قال: ليس عليها بناء ولا شجر.

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد نحوه. وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس في قوله: لا يغادر صغيرة ولا كبيرة قال: الصغيرة: التبسم، والكبيرة: الضحك. وزاد ابن أبي الدنيا وابن أبي حاتم عنه قال: الصغيرة: التبسم بالاستهزاء بالمؤمنين، والكبيرة: القهقهة بذلك. وأقول: صغيرة وكبيرة نكرتان في سياق النفي، فيدخل تحت ذلك كل ذنب يتصف بصغر، وكل ذنب يتصف بالكبر، فلا يبقى من الذنوب شيء إلا أحصاه الله، وما كان من الذنوب ملتبسا بين كونه صغيرا أو كبيرا، فذلك إنما هو بالنسبة إلى العباد لا بالنسبة إلى الله سبحانه. وأخرج ابن جرير وابن المنذر، وأبو الشيخ في العظمة، والبيهقي في الشعب، عن ابن عباس قال: إن من الملائكة قبيلة يقال لم الجن فكان إبليس منهم، وكان يوسوس ما بين السماء والأرض، فعصى فسخط الله عليه، فمسخه الله شيطانا رجيما. وأخرج ابن جرير عنه في قوله: كان من الجن قال: كان خازن الجنان، فسمي بالجن. وأخرج ابن جرير وابن المنذر عنه أيضا: قال إن إبليس كان من أشرف الملائكة وأكرمهم قبيلة، وكان خازنا على الجنان. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن الحسن قال:

قاتل الله أقواما زعموا أن إبليس كان من الملائكة طرفة عين، إنه لأصل الجن كما أن آدم أصل الإنس. وأخرج

#

الصفحة السابقة الصفحة التالية