فتح القدير — ج 3
الشوكاني • التفسير • ج3 ص7
دار ابن كثير، دار الكلم الطيب - دمشق، بيروت
وقيل: لأن فيها ذكر الحبيب والمحبوب وما دار بينهما وقيل: إن أحسن هنا بمعنى أعجب وقيل: إن كل من ذكر فيها كان مآله السعادة. قوله: إذ قال يوسف لأبيه إذ منصوب على الظرفية بفعل مقدر أي اذكر وقت قال يوسف. قرأ الجمهور «يوسف» بضم السين، وقرأ طلحة بن مصرف بكسرها مع الهمز مكان الواو، وحكى ابن زيد الهمز وفتح السين، وهو غير منصرف للعجمة والعلمية وقيل: هو عربي.
والأول أولى بدليل عدم صرفه. لأبيه أي يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم يا أبت بكسر التاء في قراءة أبي عمرو وعاصم وحمزة والكسائي ونافع وابن كثير، وهي عند البصريين علامة التأنيث، ولحقت في لفظ أب في النداء خاصة بدلا من الياء، وأصله يا أبي، وكسرها للدلالة على أنها عوض عن حرف يناسب الكسر. وقرأ ابن عامر بفتحها لأن الأصل عنده يا أبتا، ولا يجمع بين العوض والمعوض، فيقال يا أبتي، وأجاز الفراء يا أبت بضم التاء إني رأيت من الرؤيا النومية لا من الرؤية البصرية، كما يدل عليه لا تقصص رؤياك على إخوتك. قوله: أحد عشر كوكبا قرئ بسكون العين تخفيفا لتوالي الحركات، وقرئ بفتحها على الأصل والشمس والقمر إنما أخرهما عن الكواكب لإظهار مزيتهما وشرفهما كما في عطف جبريل وميكائيل على الملائكة وقيل: إن الواو بمعنى مع، وجملة رأيتهم لي ساجدين مستأنفة لبيان الحالة التي رآهم عليها، وأجريت مجرى العقلاء في الضمير المختص بهم لوصفها بوصف العقلاء، وهو كونها ساجدة، كذا قال الخليل وسيبويه، والعرب تجمع ما لا يعقل جمع من يعقل إذا أنزلوه منزلته قال يا بني لا تقصص رؤياك على إخوتك الرؤيا مصدر رأى في المنام رؤيا على وزن فعلى كالسقيا والبشرى، وألفه للتأنيث، ولذلك لم يصرف، نهى يعقوب عليه السلام ابنه يوسف عن أن يقص رؤياه على إخوته لأنه قد علم تأويلها، وخاف أن يقصها على إخوته فيفهمون تأويلها ويحصل منهم الحسد له، ولهذا قال:
فيكيدوا لك كيدا وهذا جواب النهي وهو منصوب بإضمار أن أي: فيفعلوا لك أي لأجلك كيدا مثبتا راسخا لا تقدر على الخلوص منه، أو كيدا خفيا عن فهمك وهذا المعنى الحاصل بزيادة اللام آكد من أن يقال فيكيدوا كيدا وقيل: إنما جيء باللام لتضمينه معنى الاحتيال المتعدي باللام، فيفيد هذا التضمين معنى الفعلين جميعا الكيد والاحتيال، كما هو القاعدة في التضمين أن يقدر أحدهما أصلا والآخر حالا، وجملة إن الشيطان للإنسان عدو مبين مستأنفة، كأن يوسف عليه السلام قال: كيف يقع منهم، فنبهه بأن الشيطان يحملهم على ذلك، لأنه عدو للإنسان مظهر للعداوة مجاهر بها. قوله: وكذلك يجتبيك ربك أي: مثل ذلك الاجتباء البديع الذي رأيته في النوم من سجود الكواكب والشمس والقمر، يجتبيك ربك، ويحقق فيك تأويل تلك الرؤيا، فيجعلك نبيا، ويصطفيك على سائر العباد، ويسخرهم لك كما تسخرت لك تلك الأجرام التي رأيتها في منامك فصارت ساجدة لك. قال النحاس: والاجتباء أصله من جبيت الشيء حصلته، ومنه جبيت الماء في الحوض: جمعته، ومعنى الاجتباء: الاصطفاء، وهذا يتضمن الثناء على يوسف وتعديد نعم الله عليه، ومنها ويعلمك من تأويل الأحاديث أي تأويل الرؤيا. قال القرطبي: وأجمعوا أن ذلك في تأويل الرؤيا، وقد كان يوسف عليه السلام أعلم الناس بتأويلها وقيل: المراد: ويعلمك من
#