فتح القدير — ج 3
الشوكاني • التفسير • ج3 ص45
دار ابن كثير، دار الكلم الطيب - دمشق، بيروت
أهل الشام، جئنا نمتار، ولنا أب شيخ صديق نبي من الأنبياء اسمه يعقوب. قال: كم أنتم؟ قالوا: عشرة، وقد كنا اثني عشر، فذهب أخ لنا إلى البرية فهلك، وكان أحبنا إلى أبينا، وقد سكن بعده إلى أخ له أصغر منه هو باق لديه يتسلى به، فقال لهم حينئذ: ائتوني بأخ لكم من أبيكم يعني أخاه بنيامين الذي تقدم ذكره، وهو أخو يوسف لأبيه وأمه، فوعدوه بذلك، فطلب منهم أن يتركوا أحدهم رهينة عنده حتى يأتوه بالأخ الذي طلبه، فاقترعوا فأصابت القرعة شمعون فخلفوه عنده، ثم قال لهم: ألا ترون أني أوفي الكيل أي أتممه. وجاء بصيغة الاستقبال مع كونه قال لهم هذه المقالة بعد تجهيزهم للدلالة على أن ذلك عادته المستمرة، ثم أخبرهم بما يزيدهم وثوقا به وتصديقا لقوله، فقال: وأنا خير المنزلين أي: والحال أني خير المنزلين لمن نزل بي كما فعلته بكم من حسن الضيافة وحسن الإنزال. قال الزجاج: قال يوسف: وأنا خير المنزلين لأنه حين أنزلهم أحسن ضيافتهم، ثم توعدهم إذا لم يأتوه به فقال: فإن لم تأتوني به فلا كيل لكم عندي ولا تقربون أي فلا أبيعكم شيئا فيما بعد، وأما في الحال فقد أوفاهم كيلهم، ومعنى لا تقربون:
لا تدخلون بلادي فضلا عن أن أحسن إليكم. وقيل: معناه: لا أنزلكم عندي كما أنزلتكم هذه المرة. ولم يرد أنهم لا يقربون بلاده، وتقربون مجزوم إما على أن لا ناهية أو على أنها نافية، وهو معطوف على محل الجزاء داخل في حكمه، كأنه قال: فإن لم تأتوني تحرموا ولا تقربوا، فلما سمعوا منه ذلك وعدوه بما طلبه منهم ف قالوا سنراود عنه أباه أي سنطلبه منه، ونجتهد في ذلك بما نقدر عليه. وقيل: معنى المراودة هنا:
المخادعة منهم لأبيهم والاحتيال عليه حتى ينتزعوه منه وإنا لفاعلون هذه المراودة غير مقصرين فيها. وقيل:
معناه: وإنا لقادرون على ذلك، لا نتعانى به ولا نتعاظمه وقال لفتيانه اجعلوا بضاعتهم في رحالهم قرأ أهل المدينة وأبو عمرو وعاصم من رواية شعبة وابن عامر «لفتيته» ، واختار هذه القراءة أبو حاتم والنحاس وغيرهما، وقرأ سائر الكوفيين «لفتيانه» ، واختار هذه القراءة أبو عبيد، وفي مصحف عبد الله بن مسعود كالقراءة الآخرة، قال النحاس: لفتيانه مخالف للسواد الأعظم، ولا يترك السواد المجمع عليه لهذا الإسناد المنقطع، وأيضا فإن فتية أشبه من فتيان، لأن فتية عند العرب لأقل العدد، وأمر القليل بأن يجعلوا البضاعة في الرحال أشبه، والجملة مستأنفة جواب سؤال، كأنه قيل: فما قال يوسف بعد وعدهم له بذلك؟ فأجيب بأنه قال لفتيته. قال الزجاج: الفتية والفتيان في هذا الموضع المماليك، وقال الثعلبي: هما لغتان جيدتان مثل الصبيان والصبية. والمراد بالبضاعة هنا هي التي وصلوا بها من بلادهم ليشتروا بها الطعام، وكانت نعالا وأدما، فعل يوسف عليه السلام ذلك تفضلا عليهم وقيل: فعل ذلك ليرجعوا إليه مرة أخرى لعلمه أنهم لا يقبلون الطعام إلا بثمن، قاله الفراء وقيل فعل ذلك ليستعينوا بها على الرجوع إليه لشراء الطعام وقيل: إنه استقبح أن يأخذ من أبيه وإخوته ثمن الطعام، ثم علل يوسف عليه السلام ما أمر به من جعل البضاعة في رحالهم بقوله:
لعلهم يعرفونها إذا انقلبوا إلى أهلهم فجعل علة جعل البضاعة في الرحال هي معرفتهم لها إذا انقلبوا إلى أهلهم، وذلك لأنهم لا يعلمون برد البضاعة إليهم إلا عند تفريغ الأوعية التي جعلوا فيها الطعام، وهم لا يفرغونها إلا عند الوصول إلى أهلهم، ثم علل معرفتهم للبضاعة المردودة إليهم المجعولة في رحالهم بقوله:
#