شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

فتح القدير — ج 3

الشوكاني • التفسير • ج3 ص46

دار ابن كثير، دار الكلم الطيب - دمشق، بيروت

لعلهم يرجعون فإنهم إذا عرفوا ذلك وعلموا أنهم أخذوا الطعام بلا ثمن، وأن ما دفعوه عوضا عنه قد رجع إليهم، وتفضل به من وصلوا إليه عليهم نشطوا إلى العود إليه، ولا سيما مع ما هم فيه من الجدب الشديد والحاجة إلى الطعام وعدم وجوده لديهم، فإن ذلك من أعظم ما يدعوهم إلى الرجوع، وبهذا يظهر أن يوسف عليه السلام لم يرد البضاعة إليهم إلا لهذا المقصد، وهو رجوعهم إليه فلا يتم تعليل ردها بغير ذلك. والرحال:

جمع رحل، والمراد به هنا ما يستصحبه الرجل معه من الأثاث. قال الواحدي: الرحل: كل شيء معد للرحيل من وعاء للمتاع ومركب للبعير ومجلس ورسن انتهى. والمراد هنا الأوعية التي يجعلون فيها ما يمتارونه من الطعام.

قال ابن الأنباري: يقال للوعاء رحل، وللبيت رحل فلما رجعوا إلى أبيهم قالوا يا أبانا منع منا الكيل أرادوا بهذا ما تقدم من قول يوسف لهم: فإن لم تأتوني به فلا كيل لكم عندي أي: منع منا الكيل في المستقبل، وفيه دلالة على أن الامتيار مرة بعد مرة معهود فيما بينهم وبينه، ولعلهم قالوا له بهذه المقالة قبل أن يفتحوا متاعهم ويعلموا برد بضاعتهم، كما يفيد ذلك قوله فيما بعد: ولما فتحوا متاعهم إلى آخره، ثم ذكروا له ما أمرهم به يوسف، فقالوا: فأرسل معنا أخانا يعنون بنيامين ونكتل جواب الأمر، أي: نكتل بسبب إرساله معنا ما نريده من الطعام. قرأ أهل الحرمين وأبو عمرو وابن عامر وعاصم «نكتل» بالنون. وقرأ سائر الكوفيين بالياء التحتية، واختار أبو عبيد القراءة الأولى، وقال: ليكونوا كلهم داخلين فيمن يكتال، وزعم أنه إذا كان بالياء كان للأخ وحده، أي: يكتال أخونا بنيامين، واعترضه النحاس مما حاصله أن إسناد الكيل إلى الأخ لا ينافي كونه للجميع، والمعنى: يكتال بنيامين لنا جميعا. قال الزجاج:

أي إن أرسلته اكتلنا وإلا منعنا الكيل وإنا له أي لأخيهم بنيامين لحافظون من أن يصيبه سوء أو مكروه، وجملة قال هل آمنكم عليه إلا كما أمنتكم على أخيه من قبل مستأنفة جواب سؤال مقدر كما تقدم في نظائر ذلك في مواضع كثيرة، والمعنى: أنه لا يأمنهم على بنيامين إلا كما أمنهم على أخيه يوسف، وقد قالوا له في يوسف: وإنا له لحافظون «1» ، كما قالوا هنا: وإنا له لحافظون ثم خانوه في يوسف، فهو إن أمنهم في بنيامين خاف أن يخونوه فيه كما خانوه في يوسف فالله خير حافظا وهو أرحم الراحمين لعل هنا إضمار، والتقدير: فتوكل يعقوب على الله ودفعه إليهم، وقال: فالله خير حافظا. وقرأ أهل المدينة «حفظا» وهو منتصب على التمييز، وهي قراءة أبي عمرو وعاصم وابن عامر. وقرأ سائر الكوفيين «حافظا» وهو منتصب على الحال. وقال الزجاج: على البيان يعني التمييز ومعنى الآية: أن حفظ الله إياه خير من حفظهم له، لما وكل يعقوب حفظه إلى الله سبحانه حفظه وأرجعه إليه، ولما قال في يوسف: وأخاف أن يأكله الذئب «2» وقع له من الامتحان ما وقع. ولما فتحوا متاعهم أي: أوعية الطعام، أو ما هو أعم من ذلك مما يطلق عليه لفظ المتاع سواء كان الذي فيه طعاما أو غير طعام وجدوا بضاعتهم ردت إليهم أي: البضاعة التي حملوها إلى مصر ليمتاروا بها، وقد تقدم بيانها، وجملة قالوا يا أبانا مستأنفة كما تقدم ما نبغي ما استفهامية، والمعنى: أي شيء نطلب من هذا الملك بعد أن صنع معنا ما صنع من الإحسان

الصفحة السابقة الصفحة التالية