فتح القدير — ج 4
الشوكاني • التفسير • ج4 ص15
دار ابن كثير، دار الكلم الطيب - دمشق، بيروت
من الثلاثة إلى العشرة، وقيل: من عشرة إلى خمسة عشر، وأصلها في اللغة: الجماعة الذين يتعصب بعضهم لبعض، وجملة لا تحسبوه شرا لكم إن كانت خبرا لإن فظاهر، وإن كان الخبر عصبة كما تقدم فهي مستأنفة، خوطب بها النبي صلى الله عليه وسلم وعائشة وصفوان بن المعطل الذي قذف مع أم المؤمنين وتسلية لهم، والشر:
ما زاد ضره على نفعه، والخير: ما زاد نفعه على ضره، وأما الخير الذي لا شر فيه فهو الجنة، والشر الذي لا خير فيه فهو النار، ووجه كونه خيرا لهم أنه يحصل لهم به الثواب العظيم، مع بيان براءة أم المؤمنين، وصيرورة قصتها هذه شرعا عاما لكل امرئ منهم ما اكتسب من الإثم أي: بسبب تكلمه بالإفك والذي تولى كبره منهم له عذاب عظيم قرأ الحسن والزهري وأبو رجاء وحميد الأعرج ويعقوب وابن أبي علية ومجاهد وعمرة بنت عبد الرحمن بضم الكاف. قال الفراء: وهو وجه جيد، لأن العرب تقول: فلان تولى عظيم كذا وكذا: أي أكبره، وقرأ الباقون بكسرها. قيل: هما لغتان، وقيل: هو بالضم معظم الإفك، وبالكسر البداءة به، وقيل: هو بالكسر الإثم. فالمعنى: إن الذي تولى معظم الإفك من العصبة له عذاب عظيم في الدنيا أو في الآخرة أو فيهما.
واختلف في هذا الذي تولى كبره من عصبة الإفك من هو منهم؟ فقيل: هو عبد الله بن أبي، وقيل:
هو حسان، والأول: هو الصحيح. وقد روى محمد بن إسحاق وغيره أن النبي صلى الله عليه وسلم جلد في الإفك رجلين وامرأة، وهم: مسطح بن أثاثة وحسان بن ثابت وحمنة بنت جحش. وقيل: جلد عبد الله بن أبي وحسان ابن ثابت وحمنة بنت جحش، ولم يجلد مسطحا، لأنه لم يصرح بالقذف، ولكن كان يسمع ويشيع من غير تصريح. وقيل: لم يجلد أحدا منهم. قال القرطبي: المشهور من الأخبار والمعروف عند العلماء أن الذين حدوا: حسان ومسطح وحمنة، ولم يسمع بحد لعبد الله بن أبي، ويؤيد هذا ما في سنن أبي داود عن عائشة، قالت: لما نزل عذري، قام النبي صلى الله عليه وسلم فذكر ذلك وتلا القرآن، فلما نزل من المنبر أمر بالرجلين والمرأة فضربوا حدهم، وسماهم: حسان، ومسطح بن أثاثة، وحمنة بنت جحش.
واختلفوا في وجه تركه صلى الله عليه وسلم لجلد عبد الله بن أبي، فقيل: لتوفير العذاب العظيم له في الآخرة، وحد من عداه ليكون ذلك تكفيرا لذنبهم كما ثبت عنه صلى الله عليه وسلم في الحدود أنه قال: «إنها كفارة لمن أقيمت عليه» وقيل: ترك حده تألفا لقومه واحتراما لابنه، فإنه كان من صالحي المؤمنين وإطفاء لثائرة الفتنة، فقد كانت ظهرت مباديها من سعد بن عبادة ومن معه كما في صحيح مسلم. ثم صرف سبحانه الخطاب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن معه إلى المؤمنين بطريق الالتفات فقال: لولا إذ سمعتموه ظن المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم خيرا لولا: هذه هي التحضيضية تأكيدا للتوبيخ والتقريع ومبالغة في معاتبتهم، أي: كان ينبغي للمؤمنين حين سمعوا مقالة أهل الإفك أن يقيسوا ذلك على أنفسهم، فإن كان ذلك يبعد فيهم، فهو في أم المؤمنين أبعد. قال الحسن: معنى بأنفسهم: بأهل دينهم، لأن المؤمنين كنفس واحدة ألا ترى إلى قوله: ولا تقتلوا أنفسكم «1» قال الزجاج: ولذلك يقال للقوم الذين يقتل بعضهم بعضا إنهم يقتلون