فتح القدير — ج 4
الشوكاني • التفسير • ج4 ص16
دار ابن كثير، دار الكلم الطيب - دمشق، بيروت
أنفسهم. قال المبرد ومثله قوله سبحانه فاقتلوا أنفسكم «1» قال النحاس: بأنفسهم: بإخوانهم، فأوجب الله سبحانه على المسلمين إذا سمعوا رجلا يقذف أحدا ويذكره بقبيح لا يعرفونه به أن ينكروا عليه ويكذبوه.
قال العلماء: إن في الآية دليلا على أن درجة الإيمان والعفاف لا يزيلها الخبر المحتمل وإن شاع وقالوا هذا إفك مبين أي: قال المؤمنون عند سماع الإفك: هذا إفك ظاهر مكشوف، وجملة لولا جاؤ عليه بأربعة شهداء من تمام ما يقوله المؤمنون، أي: وقالوا هلا جاء الخائضون بأربعة شهداء يشهدون على ما قالوا: فإذ لم يأتوا بالشهداء فأولئك أي: الخائضون في الإفك عند الله هم الكاذبون أي:
في حكم الله تعالى هم الكاذبون الكاملون في الكذب ولولا فضل الله عليكم ورحمته في الدنيا والآخرة هذا خطاب للسامعين، وفيه زجر عظيم ولولا هذه: هي لامتناع الشيء لوجود غيره لمسكم فيما أفضتم فيه أي: بسبب ما خضتم فيه من حديث الإفك، يقال: أفاض في الحديث، واندفع وخاض.
والمعنى: لولا أني قضيت عليكم بالفضل في الدنيا بالنعم التي من جملتها الإمهال، والرحمة في الآخرة بالعفو، لعاجلتكم بالعقاب على ما خضتم به من حديث الإفك. وقيل: المعنى: لولا فضل الله عليكم لمسكم العذاب في الدنيا والآخرة معا، ولكن برحمته ستر عليكم في الدنيا ويرحم في الآخرة من أتاه تائبا. إذ تلقونه بألسنتكم الظرف منصوب بمسكم أو بأفضتم، قرأ الجمهور «إذ تلقونه» من التلقي، والأصل: تتلقونه فحذف إحدى التاءين. قال مقاتل ومجاهد: المعنى يرويه بعضكم عن بعض. قال الكلبي: وذلك أن الرجل منهم يلقى الرجل فيقول: بلغني كذا وكذا ويتلقونه تلقيا. قال الزجاج: معناه: يلقيه بعضكم إلى بعض.
وقرأ محمد بن السميقع بضم التاء وسكون اللام وضم القاف، من الإلقاء، ومعنى هذه القراءة واضح. وقرأ أبي وابن مسعود «تتلقونه» من التلقي، وهي كقراءة الجمهور: وقرأ ابن عباس وعائشة وعيسى بن عمر ويحيى بن يعمر وزيد بن علي بفتح التاء وكسر اللام وضم القاف وهذه القراءة مأخوذة من قول العرب ولق يلق ولقا: إذا كذب. قال ابن سيده: جاءوا بالمتعدي شاهدا على غير المتعدي. قال ابن عطية: وعندي أنه أراد يلقون فيه فحذف حرف الجر فاتصل الضمير. قال الخليل وأبو عمرو: أصل الولق الإسراع، يقال جاءت الإبل تلق، أي: تسرع، ومنه قول الشاعر:
لما رأوا جيشا عليهم قد طرق ... جاءوا بأسراب من الشأم ولق
إن الحصين زلق وزملق ... جاءت به عنس «2» من الشام تلق
قال أبو البقاء: أي يسرعون فيه قال ابن جرير: وهذه اللفظة أي تلقونه على القراءة الأخيرة مأخوذة من الولق، وهو الإسراع بالشيء بعد الشيء كعدد في إثر عدد، وكلام في إثر كلام، وقرأ زيد بن أسلم وأبو جعفر «تألقونه» بفتح التاء وهمزة ساكنة ولام مكسورة وقاف مضمومة من الألق وهو الكذب، وقرأ يعقوب «تيلقونه» بكسر التاء من فوق بعدها ياء تحتية ساكنة ولام مفتوحة وقاف مضمومة، وهو مضارع