فتح القدير — ج 4
الشوكاني • التفسير • ج4 ص122
دار ابن كثير، دار الكلم الطيب - دمشق، بيروت
فقال: فإنهم عدو لي ومعنى كونهم عدوا له مع كونهم جمادا أنه إن عبدهم كانوا له عدوا يوم القيامة.
قال الفراء: هذا من المقلوب، أي: فإني عدو لهم لأن من عاديته عاداك، والعدو كالصديق، يطلق على الواحد، والمثنى، والجماعة المذكر والمؤنث، كذا قال الفراء. قال علي بن سليمان: من قال عدوة الله فأثبت الهاء، قال: هي بمعنى المعادية، ومن قال عدو للمؤنث والجمع بمعنى النسب. وقيل المراد بقوله: فإنهم عدو لي آباؤهم الأقدمون، لأجل عبادتهم الأصنام، ورد بأن الكلام مسوق فيما عبدوه لا في العابدين، والاستثناء في قوله: إلا رب العالمين منقطع، أي: لكن رب العالمين ليس كذلك، بل هو وليي في الدنيا والآخرة. قال الزجاج: قال النحويون: هو استثناء ليس من الأول، وأجاز الزجاج أيضا أن يكون من الأول على أنهم كانوا يعبدون الله عز وجل، ويعبدون معه الأصنام، فأعلمهم أنه تبرأ مما يعبدون إلا الله.
قال الجرجاني: تقديره أفرأيتم ما كنتم تعبدون، أنتم وآباؤكم الأقدمون، إلا رب العالمين فإنهم عدو لي، فجعله من باب التقديم والتأخير، وجعل إلا بمعنى: دون، وسوى كقوله: لا يذوقون فيها الموت إلا الموتة الأولى «1» أي: دون الموتة الأولى. وقال الحسن بن الفضل: إن المعنى: إلا من عبد رب العالمين، ثم وصف رب العالمين بقوله: الذي خلقني فهو يهدين أي: فهو يرشدني إلى مصالح الدين والدنيا. وقيل: إن الموصول مبتدأ، وما بعده خبره، والأول أولى. ويجوز أن يكون الموصول بدلا من رب، وأن يكون عطف بيان له، وأن يكون منصوبا على المدح بتقدير: أعني، أو أمدح، وقد وصف الخليل ربه بما يستحق العبادة لأجله، فإن الخلق، والهداية، والرزق يدل عليه قوله: والذي هو يطعمني ويسقين ودفع ضر المرض، وجلب نفع الشفاء، والإماتة والإحياء، والمغفرة للذنب، كلها نعم يجب على المنعم عليه ببعضها، فضلا عن كلها أن يشكر المنعم بجميع أنواع الشكر التي أعلاها وأولاها العبادة، ودخول هذه الضمائر في صدور هذه الجمل، للدلالة على أنه الفاعل لذلك دون غيره، وأسند المرض إلى نفسه دون غيره من هذه الأفعال المذكورة رعاية للأدب مع الرب، وإلا فالمرض وغيره من الله سبحانه، ومراده بقوله: ثم يحيين البعث، وحذف الياء من هذه الأفعال لكونها رؤوس الآي. وقرأ ابن أبي إسحاق هذه الأفعال كلها بإثبات الياء، وإنما قال عليه الصلاة والسلام: والذي أطمع أن يغفر لي خطيئتي يوم الدين هضما لنفسه، وقيل:
إن الطمع هنا بمعنى اليقين في حقه، وبمعنى الرجاء في حق سواه. وقرأ الحسن وابن أبي إسحاق «خطاياي» قالا: ليست خطيئته واحدة. قال النحاس: خطيئة بمعنى خطايا في كلام العرب. قال مجاهد: يعني بخطيئة قوله: بل فعله كبيرهم هذا «2» ، وقوله: إني سقيم «3» ، وقوله إن سارة أخته، زاد الحسن: وقوله للكوكب هذا ربي «4» وحكى الواحدي عن المفسرين أنهم فسروا الخطايا بما فسرها به مجاهد. قال الزجاج: الأنبياء بشر، ويجوز أن تقع عليهم الخطيئة، إلا أنهم لا تكون منهم الكبيرة لأنهم معصومون، والمراد بيوم الدين: يوم الجزاء للعباد بأعمالهم، ولا يخفى أن تفسير الخطايا بما ذكره مجاهد ومن معه ضعيف، فإن تلك معاريض، وهي أيضا إنما صدرت عنه بعد هذه المقاولة الجارية بينه وبين قومه. ثم لما فرغ الخليل من الثناء