شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

فتح القدير — ج 4

الشوكاني • التفسير • ج4 ص123

دار ابن كثير، دار الكلم الطيب - دمشق، بيروت

على ربه والاعتراف بنعمه عقبه بالدعاء ليقتدي به غيره في ذلك، فقال: رب هب لي حكما والمراد بالحكم: العلم والفهم، وقيل: النبوة والرسالة، وقيل: المعرفة بحدود الله وأحكامه إلى آخره وألحقني بالصالحين يعني: بالنبيين من قبلي، وقيل: بأهل الجنة واجعل لي لسان صدق في الآخرين أي:

اجعل لي ثناء حسنا في الآخرين، الذين يأتون بعدي إلى يوم القيامة. قال القتبي: وضع اللسان موضع القول على الاستعارة. لأن القول يكون به، وقد تكني العرب بها عن الكلمة، ومنه قول الأعشى:

إني أتتني لسان لا أسر بها «1»

وقد أعطى الله سبحانه إبراهيم ذلك بقوله: وتركنا عليه في الآخرين «2» فإن كل أمة تتمسك به وتعظمه. وقال مكي: قيل معنى سؤاله أن يكون من ذريته في آخر الزمان من يقوم بالحق، فأجيبت دعوته في محمد صلى الله عليه وسلم، ولا وجه لهذا التخصيص. وقال القشيري: أراد الدعاء الحسن إلى قيام الساعة، ولا وجه لهذا أيضا، فإن لسان الصدق أعم من ذلك واجعلني من ورثة جنة النعيم من ورثة: يحتمل أن يكون مفعولا ثانيا، وأن يكون صفة لمحذوف، هو المفعول الثاني، أي: وارثا من ورثة جنة النعيم، لما طلب عليه السلام بالدعوة الأولى سعادة الدنيا، طلب بهذه الدعوة سعادة الآخرة، وهي جنة النعيم، وجعلها مما يورث، تشبيها لغنيمة الآخرة بغنيمة الدنيا، وقد تقدم تفسير معنى الوراثة في سورة مريم واغفر لأبي إنه كان من الضالين كان أبوه قد وعد أنه يؤمن به، فاستغفر له فلما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه، وقد تقدم تفسير هذا مستوفى في سورة التوبة، وسورة مريم، ومعنى «من الضالين» من المشركين الضالين عن طريق الهداية، وكان زائدة على مذهب سيبويه كما تقدم في غير موضع ولا تخزني يوم يبعثون أي: لا تفضحني على رؤوس الأشهاد بمعاتبتي، أو لا تعذبني يوم القيامة، أو لا تخزني بتعذيب أبي، أو ببعثه في جملة الضالين.

والإخزاء يطلق على الخزي: وهو الهوان، وعلى الخزاية، وهي الحياء، ويوم لا ينفع مال ولا بنون بدل من يوم يبعثون، أي: يوم لا ينفع فيه المال والبنون أحدا من الناس، والابن: هو أخص القرابة، وأولاهم بالحماية، والدفع، والنفع، فإذا لم ينفع، فغيره من القرابة والأعوان بالأولى. وقال ابن عطية: إن هذا وما بعده من كلام الله، وهو ضعيف، والاستثناء بقوله: إلا من أتى الله بقلب سليم قيل: هو منقطع، أي: لكن من أتى الله بقلب سليم. قال في الكشاف: إلا حال من أتى الله بقلب سليم، فقدر مضافا محذوفا.

قال أبو حيان: ولا ضرورة تدعو إلى ذلك. وقيل: إن هذا الاستثناء بدل من المفعول المحذوف، أو مستثنى منه، إذ التقدير لا ينفع مال ولا بنون أحدا من الناس إلا من كانت هذه صفته، ويحتمل أن يكون بدلا من فاعل ينفع، فيكون مرفوعا. قال أبو البقاء: فيكون التقدير: إلا مال من أو بنو من فإنه ينفع.

واختلف في معنى القلب السليم، فقيل: السليم من الشرك، فأما الذنوب فليس يسلم منها أحد، قاله

الصفحة السابقة الصفحة التالية