شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

فتح القدير — ج 4

الشوكاني • التفسير • ج4 ص126

دار ابن كثير، دار الكلم الطيب - دمشق، بيروت

قوله: كذبت قوم نوح المرسلين أنث الفعل لكونه مسندا إلى قوم، وهو في معنى الجماعة، أو الأمة أو القبيلة، وأوقع التكذيب على المرسلين، وهم لم يكذبوا إلا الرسول المرسل إليهم، لأن من كذب رسولا فقد كذب الرسل، لأن كل رسول يأمر بتصديق غيره من الرسل. وقيل: كذبوا نوحا في الرسالة، وكذبوه فيما أخبرهم به من مجيء المرسلين بعده إذ قال لهم أخوهم نوح أي: أخوهم من أبيهم، لا أخوهم في الدين. وقيل: هي أخوة المجانسة، وقيل: هو من قول العرب: يا أخا بني تميم، يريدون واحدا منهم ألا تتقون أي: ألا تتقون الله بترك عبادة الأصنام، وتجيبون رسوله الذي أرسله إليكم إني لكم رسول أمين أي: إني لكم رسول من الله أمين فيما أبلغكم عنه، وقيل: أمين فيما بينكم، فإنهم كانوا قد عرفوا أمانته وصدقه فاتقوا الله وأطيعون أي: اجعلوا طاعة الله وقاية لكم من عذابه، وأطيعون فيما آمركم به عن الله من الإيمان به، وترك الشرك، والقيام بفرائض الدين وما أسئلكم عليه من أجر أي: ما أطلب منكم أجرا على تبليغ الرسالة ولا أطمع في ذلك منكم إن أجري الذي أطلبه وأريده إلا على رب العالمين أي: على الله، ما أجري إلا عليه، وكرر قوله: فاتقوا الله وأطيعون للتأكيد والتقرير في النفوس، مع كونه علق كل واحد منهم بسبب، وهو الأمانة في الأول، وقطع الطمع في الثاني، ونظيره قولك: ألا تتقي الله في عقوقي وقد ربيتك صغيرا، ألا تتقي الله في عقوقي، وقد علمتك كبيرا، وقدم الأمر بتقوى الله على الأمر بطاعته، لأن تقوى الله علة لطاعته قالوا أنؤمن لك واتبعك الأرذلون الاستفهام: للإنكار، أي: كيف نتبعك ونؤمن لك، والحال أن قد اتبعك الأرذلون، وهم جمع أرذل، وجمع التكسير: أرذال، والأنثى: رذلى، وهم الأقلون جاها، ومالا، والرذالة: الخسة والذلة، استرذلوهم لقلة أموالهم وجاههم، أو لاتضاع أنسابهم. وقيل: كانوا من أهل الصناعات الخسيسة، وقد تقدم تفسير هذه الآيات في هود. وقرأ ابن مسعود والضحاك ويعقوب الحضرمي «وأتباعك الأرذلون» قال النحاس:

وهي قراءة حسنة، لأن هذه الواو تتبعها الأسماء كثيرا. وأتباع: جمع تابع، فأجابهم نوح بقوله: وما علمي بما كانوا يعملون كان زائدة، والمعنى: وما علمي بعملهم، أي: لم أكلف العلم بأعمالهم، إنما كلفت أن أدعوهم إلى الإيمان والاعتبار به، لا بالحرف والصنائع، والفقر والغنى، وكأنهم أشاروا بقولهم:

واتبعك الأرذلون إلى أن إيمانهم لم يكن عن نظر صحيح فأجابهم بهذا. وقيل المعنى: إني لم أعلم أن الله سيهديهم ويضلكم إن حسابهم إلا على ربي لو تشعرون أي: ما حسابهم، والتفتيش عن ضمائرهم وأعمالهم إلا على الله لو كنتم من أهل الشعور والفهم، قرأ الجمهور تشعرون بالفوقية، وقرأ ابن أبي عبلة وابن السميقع والأعرج وأبو زرعة بالتحتية، كأنه ترك الخطاب للكفار والتفت إلى الإخبار عنهم. قال الزجاج: والصناعات لا تضر في باب الديانات وما أحسن ما قال: وما أنا بطارد المؤمنين هذا جواب من نوح على ما ظهر من كلامهم من طلب الطرد لهم إن أنا إلا نذير مبين أي: ما أنا إلا نذير موضح لما أمرني الله سبحانه بإبلاغه إليكم، وهذه الجملة كالعلة لما قبلها قالوا لئن لم تنته يا نوح لتكونن من المرجومين أي: إن لم تترك عيب ديننا وسب آلهتنا لتكونن من المرجومين بالحجارة، وقيل: من

#

الصفحة السابقة الصفحة التالية