شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

فتح القدير — ج 4

الشوكاني • التفسير • ج4 ص127

دار ابن كثير، دار الكلم الطيب - دمشق، بيروت

المشتومين، وقيل: من المقتولين، فعدلوا بعد تلك المحاورة بينهم وبين نوح إلى التجبر، والتوعد، فلما سمع نوح قولهم هذا: قال رب إن قومي كذبون أي: أصروا على تكذيبي، ولم يسمعوا قولي ولا أجابوا دعائي فافتح بيني وبينهم فتحا الفتح: الحكم، أي: احكم بيني وبينهم حكما، وقد تقدم تحقيق معنى الفتح ونجني ومن معي من المؤمنين فلما دعا ربه بهذا الدعاء استجاب له فقال: فأنجيناه ومن معه في الفلك المشحون أي: السفينة المملوءة، والشحن: ملء السفينة بالناس، والدواب، والمتاع ثم أغرقنا بعد الباقين أي: ثم أغرقنا بعد إنجائهم الباقين من قومه إن في ذلك لآية أي: علامة، وعبرة عظيمة وما كان أكثرهم مؤمنين كان زائدة عند سيبويه وغيره على ما تقدم تحقيقه وإن ربك لهو العزيز الرحيم أي: القاهر لأعدائه، الرحيم بأوليائه كذبت عاد المرسلين أنث الفعل باعتبار إسناده إلى القبيلة، لأن عادا اسم أبيهم الأعلى. ومعنى تكذيبهم المرسلين، مع كونهم لم يكذبوا إلا رسولا واحدا، قد تقدم وجهه في قصة نوح قريبا إذ قال لهم أخوهم هود ألا تتقون الكلام فيه كالكلام في قول نوح المتقدم قريبا، وكذا قوله: إني لكم رسول أمين فاتقوا الله وأطيعون وما أسئلكم عليه من أجر إن أجري إلا على رب العالمين الكلام فيه كالذي قبله سواء. أتبنون بكل ريع آية تعبثون الريع:

المكان المرتفع من الأرض جمع ريعة، يقال كم ريع أرضك؟ أي: كم ارتفاعها. قال أبو عبيدة: الريع: الارتفاع جمع ريعة. وقال قتادة والضحاك والكلبي: الريع الطريق، وبه قال مقاتل والسدي. وإطلاق الريع على ما ارتفع من الأرض معروف عند أهل اللغة، ومنه قول ذي الرمة:

طراق الخوافي مشرق فوق ريعة ... ندي ليلة في ريشه يترقرق

وقيل: الريع الجبل، واحده: ريعة، والجمع: أرياع. وقال مجاهد: هو الفج بين الجبلين، وروي عنه أنه الثنية الصغيرة، وروي عنه أيضا أنه المنظرة. ومعنى الآية: أنكم تبنون بكل مكان مرتفع علما تعبثون ببنيانه، وتلعبون بالمارة، وتسخرون منهم، لأنكم تشرفون من ذلك البناء المرتفع على الطريق فتؤذون المارة، وتسخرون منهم. وقال الكلبي: إنه عبث العشارين بأموال من يمر بهم حكاه الماوردي. قال ابن الأعرابي:

الريع: الصومعة، والريع: البرج يكون في الصحراء، والريع: التل العالي، وفي الريع لغتان كسر الراء وفتحها وتتخذون مصانع المصانع: هي الأبنية التي يتخذها الناس منازل. قال أبو عبيدة: كل بناء مصنعة منه وبه قال الكلبي وغيره، ومنه قول الشاعر:

تركنا ديارهم منهم قفارا ... وهدمنا المصانع والبروجا

وقيل: هي الحصون المشيدة، قاله مجاهد وغيره، وقال الزجاج: إنها مصانع الماء التي تجعل تحت الأرض واحدتها مصنعة ومصنع، ومنه قول لبيد:

بلينا وما تبلى النجوم الطوالع ... وتبقى الجبال بعدنا والمصانع

وليس في هذا البيت ما يدل صريحا على ما قاله الزجاج، ولكنه قال الجوهري: المصنعة بضم النون الحوض

#

الصفحة السابقة الصفحة التالية