فتح القدير — ج 4
الشوكاني • التفسير • ج4 ص266
دار ابن كثير، دار الكلم الطيب - دمشق، بيروت
ويجعله كسفا تارة أخرى، أو يجعله بعد بسطه قطعا متفرقة، والكسف: جمع كسفة، والكسفة:
القطعة من السحاب. وقد تقدم تفسيره واختلاف القراءة فيه فترى الودق يخرج من خلاله الودق:
المطر، ومن خلاله: من وسطه. وقرأ أبو العالية، والضحاك «يخرج من خلل» فإذا أصاب به أي:
بالمطر من يشاء من عباده أي: بلادهم، وأرضهم إذا هم يستبشرون إذا: هي الفجائية، أي:
فاجؤوا الاستبشار بمجيء المطر، والاستبشار: الفرح وإن كانوا من قبل أن ينزل عليهم أي: من قبل أن ينزل عليهم المطر، وإن: هي المخففة، وفيها ضمير شأن مقدر هو اسمها، أي: وإن الشأن كانوا من قبل أن ينزل عليهم، وقوله: من قبله تكرير للتأكيد، قاله الأخفش، وأكثر النحويين كما حكاه عنهم النحاس. وقال قطرب: إن الضمير في قبله راجع إلى المطر، أي: وإن كانوا من قبل التنزيل من قبل المطر.
وقيل المعنى: من قبل تنزيل الغيث عليهم من قبل الزرع، والمطر، وقيل: من قبل أن ينزل عليهم من قبل السحاب، أي: من قبل رؤيته، واختار هذا النحاس. وقيل: الضمير عائد إلى الكسف، وقيل: إلى الإرسال، وقيل: إلى الاستبشار. والراجح: الوجه الأول، وما بعده من هذه الوجوه كلها ففي غاية التكلف، والتعسف، وخبر كان: لمبلسين أي: آيسين أو بائسين. وقد تقدم تحقيق الكلام في هذا فانظر إلى آثار رحمت الله الناشئة عن إنزال المطر من النبات، والثمار، والزرائع التي بها يكون الخصب، ورخاء العيش، أي: انظر نظر اعتبار، واستبصار لتستدل بذلك على توحيد الله، وتفرده بهذا الصنع العجيب.
قرأ الجمهور «أثر» بالتوحيد. وقرأ ابن عامر، وحفص، وحمزة، والكسائي آثار بالجمع كيف يحي الأرض بعد موتها فاعل الإحياء ضمير يعود إلى الله سبحانه، وقيل: ضمير يعود إلى الأثر، وهذه الجملة في محل نصب بانظر، أي: انظر إلى كيفية هذا الإحياء البديع للأرض. وقرأ الجحدري وأبو حيوة «تحيي» بالفوقية على أن فاعله ضمير يعود إلى الرحمة أو إلى الآثار على قراءة من قرأ بالجمع، والإشارة بقوله: إن ذلك إلى الله سبحانه، أي: إن الله العظيم الشأن المخترع لهذه الأشياء المذكورة لمحي الموتى أي:
لقادر على إحيائهم في الآخرة، وبعثهم، ومجازاتهم كما أحيا الأرض الميتة بالمطر وهو على كل شيء قدير أي: عظيم القدرة كثيرها ولئن أرسلنا ريحا فرأوه مصفرا الضمير في: فرأوه يرجع إلى الزرع، والنبات الذي كان من أثر رحمة الله، أي: فرأوه مصفرا من البرد الناشئ عن الريح التي أرسلها الله بعد اخضراره.
وقيل: راجع إلى الريح، وهو يجوز تذكيره، وتأنيثه. وقيل: راجع إلى الأثر المدلول عليه بالآثار. وقيل:
راجع إلى السحاب لأنه إذا كان مصفرا لم يمطر، والأول أولى. واللام هي: الموطئة، وجواب القسم:
لظلوا من بعده يكفرون وهو يسد مسد جواب الشرط، والمعنى: ولئن أرسلنا ريحا حارة، أو باردة، فضربت زرعهم بالصفار لظلوا من بعد ذلك يكفرون بالله، ويجحدون نعمه، وفي هذا دليل على سرعة تقلبهم، وعدم صبرهم، وضعف قلوبهم، وليس كذا حال أهل الإيمان. ثم شبههم بالموتى وبالصم فقال: فإنك لا تسمع الموتى إذا دعوتهم، فكذا هؤلاء لعدم فهمهم للحقائق، ومعرفتهم للصواب ولا تسمع الصم الدعاء إذا دعوتهم إلى الحق، ووعظتهم بمواعظ الله، وذكرتهم الآخرة وما فيها، وقوله: إذا ولوا مدبرين
#