شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

فتح القدير — ج 4

الشوكاني • التفسير • ج4 ص268

دار ابن كثير، دار الكلم الطيب - دمشق، بيروت

ولا هم يستعتبون يقال: استعتبته فأعتبني، أي: استرضيته فأرضاني، وذلك إذا كنت جانيا عليه، وحقيقة أعتبته: أزلت عتبه، والمعنى: أنهم لا يدعون إلى إزالة عتبهم من التوبة، والطاعة كما دعوا إلى ذلك في الدنيا ولقد ضربنا للناس في هذا القرآن من كل مثل أي: من كل مثل من الأمثال التي تدلهم على توحيد الله، وصدق رسله، واحتججنا عليهم بكل حجة تدل على بطلان الشرك ولئن جئتهم بآية من آيات القرآن الناطقة بذلك، أو لئن جئتهم بآية كالعصا، واليد ليقولن الذين كفروا إن أنتم إلا مبطلون أي: ما أنت يا محمد وأصحابك إلا مبطلون أصحاب أباطيل تتبعون السحر، وما هو مشاكل له في البطلان كذلك يطبع الله على قلوب الذين لا يعلمون أي: مثل ذلك الطبع يطبع الله على قلوب الفاقدين للعلم النافع الذي يهتدون به إلى الحق، وينجون به من الباطل، ثم أمر الله سبحانه نبيه صلى الله عليه وسلم بالصبر معللا لذلك بحقية وعد الله، وعدم الخلف فيه، فقال: فاصبر على ما تسمعه منهم من الأذى، وتنظره من الأفعال الكفرية، فإن الله قد وعدك بالنصر عليهم، وإعلاء حجتك، وإظهار دعوتك، ووعده حق لا خلف فيه ولا يستخفنك الذين لا يوقنون أي: لا يحملنك على الخفة، ويستفزنك عن دينك، وما أنت عليه الذين لا يوقنون بالله، ولا يصدقون أنبياءه، ولا يؤمنون بكتبه، والخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم، يقال استخف فلان فلانا: أي: استجهله حتى حمله على اتباعه في الغي. قرأ الجمهور «يستخفنك» بالخاء المعجمة والفاء، وقرأ يعقوب، وابن أبي إسحاق: بحاء مهملة وقاف من استحقاق، والنهي في الآية من باب: لا أرينك هاهنا.

وقد أخرج ابن أبي حاتم، والطبراني، وابن مردويه عن أبي الدرداء قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:

«ما من مسلم يرد عن عرض أخيه إلا كان حقا على الله أن يرد عنه نار جهنم يوم القيامة، ثم تلا كان حقا علينا نصر المؤمنين

، وهو من طريق شهر بن حوشب عن أم الدرداء عن أبي الدرداء. وأخرج أبو يعلى وابن المنذر عنه في قوله: ويجعله كسفا قال: قطعا بعضها فوق بعض فترى الودق قال:

المطر يخرج من خلاله قال: من بينه. وأخرج ابن مردويه من طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس قال: نزلت هذه الآية فإنك لا تسمع الموتى ولا تسمع الصم الدعاء في دعاء النبي صلى الله عليه وسلم لأهل بدر، والإسناد ضعيف. والمشهور في الصحيحين وغيرهما أن عائشة استدلت بهذه الآية على رد رواية من روى من الصحابة أن النبي صلى الله عليه وسلم نادى أهل قليب بدر، وهو من الاستدلال بالعام على رد الخاص فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم لما قيل له: إنك تنادي أجسادا بالية «ما أنتم بأسمع لما أقول منهم» وفي مسلم من حديث أنس أن عمر ابن الخطاب لما سمع النبي صلى الله عليه وسلم يناديهم، فقال: يا رسول الله! تناديهم بعد ثلاث وهل يسمعون؟ يقول الله إنك لا تسمع الموتى، فقال: والذي نفسي بيده ما أنتم بأسمع منهم، ولكنهم لا يطيقون أن يجيبوا» .

#

الصفحة السابقة الصفحة التالية