فتح القدير — ج 4
الشوكاني • التفسير • ج4 ص476
دار ابن كثير، دار الكلم الطيب - دمشق، بيروت
بفاتنين على الله بإفساد عباده وإضلالهم، وعلى متعلقة بفاتنين، والواو في وما تعبدون إما للعطف على اسم إن، أو هو بمعنى مع، وما موصولة أو مصدرية، أي: فإنكم والذي تعبدون، أو وعبادتكم، ومعنى فاتنين مضلين، يقال فتنت الرجل وأفتنته، ويقال فتنه على الشيء وبالشيء كما يقال أضله على الشيء وأضله به.
قال الفراء: أهل الحجاز يقولون فتنته، وأهل نجد يقولون أفتنته، ويقال فتن فلان على فلان امرأته: أي أفسدها عليه، فالفتنة هنا بمعنى الإضلال والإفساد. قال مقاتل: يقول ما أنتم بمضلين أحدا بآلهتكم إلا من قدر الله له أن يصلى الجحيم، وما في ما أنتم نافية وأنتم خطاب لهم ولمن يعبدونه على التغليب.
قال الزجاج: أهل التفسير مجمعون فيما علمت أن المعنى: ما أنتم بمضلين أحدا إلا من قدر الله عز وجل عليه أن يضل، ومنه قول الشاعر:
فرد بنعمته كيده ... عليه وكان لنا فاتنا
أي: مضلا إلا من هو صال الجحيم قرأ الجمهور صال بكسر اللام لأنه منقوص مضاف حذفت الياء لالتقاء الساكنين وحمل على لفظ من، وأفرد كما أفرد هو. وقرأ الحسن، وابن أبي عبلة بضم اللام مع واو بعدها، وروي عنهما أنهما قرءا بضم اللام بدون واو. فأما مع الواو فعلى أنه جمع سلامة بالواو حملا على معنى من، وحذفت نون الجمع للإضافة، وأما بدون الواو فيحتمل أن يكون جمعا، وإنما حذفت الواو خطا كما حذفت لفظا، ويحتمل أن يكون مفردا، وحقه على هذا كسر اللام. قال النحاس: وجماعة أهل التفسير يقولون: إنه لحن لأنه لا يجوز هذا قاض المدينة، والمعنى: أن الكفار وما يعبدونه لا يقدرون على إضلال أحد من عباد الله إلا من هو من أهل النار وهم المصرون على الكفر، وإنما يصر على الكفر من سبق القضاء عليه بالشقاوة، وإنه ممن يصلى النار: أي: يدخلها، ثم قال الملائكة مخبرين للنبي صلى الله عليه وسلم كما حكاه الله سبحانه عنهم وما منا إلا له مقام معلوم وفي الكلام حذف، والتقدير: وما منا من أحد، أو وما منا ملك إلا له مقام معلوم في عبادة الله. وقيل التقدير: وما منا إلا من له مقام معلوم، رجح البصريون التقدير الأول، ورجح الكوفيون الثاني. قال الزجاج: هذا قول الملائكة وفيه مضمر. المعنى وما منا ملك إلا له مقام معلوم. ثم قالوا: وإنا لنحن الصافون أي: في مواقف الطاعة. قال قتادة: هم الملائكة صفوا أقدامهم. وقال الكلبي: صفوف الملائكة في السماء كصفوف أهل الدنيا في الأرض وإنا لنحن المسبحون أي: المنزهون لله المقدسون له عما أضافه إليه المشركون، وقيل: المصلون، وقيل: المراد بقولهم المسبحون مجموع التسبيح باللسان وبالصلاة، والمقصود أن هذه الصفات هي صفات الملائكة، وليسوا كما وصفهم به الكفار من أنهم بنات الله وإن كانوا ليقولون هذا رجوع إلى الإخبار عن المشركين، أي:
كانوا قبل المبعث المحمدي إذا عيروا بالجهل قالوا: لو أن عندنا ذكرا من الأولين أي كتابا من كتب الأولين كالتوراة والإنجيل لكنا عباد الله المخلصين أي: لأخلصنا العبادة له ولم نكفر به، وإن في قوله:
وإن كانوا هي المخففة من الثقيلة، وفيها ضمير شأن محذوف، واللام هي الفارقة بينها وبين النافية، أي: وإن الشأن كان كفار العرب ليقولون ... إلخ، والفاء في قوله: فكفروا به هي الفصيحة الدالة على
#