شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

فتح القدير — ج 4

الشوكاني • التفسير • ج4 ص475

دار ابن كثير، دار الكلم الطيب - دمشق، بيروت

مفعول يستوي فيه المفرد والمثنى، والمجموع، والمذكر والمؤنث. ثم كرر سبحانه تقريعهم، وتوبيخهم فقال:

أصطفى البنات على البنين قرأ الجمهور بفتح الهمزة على أنها للاستفهام الإنكاري، وقد حذف معها همزة الوصل استغناء به عنها. وقرأ نافع في رواية عنه، وأبو جعفر، وشيبة، والأعمش بهمزة وصل تثبت ابتداء، وتسقط درجا، ويكون الاستفهام منويا قاله الفراء. وحذف حرفه للعلم به من المقام، أو على أن اصطفى وما بعده بدل من الجملة المحكية بالقول. وعلى تقدير عدم الاستفهام والبدل. فقد حكى جماعة من المحققين منهم الفراء أن التوبيخ يكون باستفهام، وبغير استفهام كما في قوله: أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا «1» وقيل: هو على إضمار القول. وما لكم كيف تحكمون جملتان استفهاميتان ليس لأحدهما تعلق بالأخرى من حيث الإعراب: استفهمهم أولا عما استقر لهم وثبت؟ استفهام بإنكار، وثانيا:

استفهام تعجب من هذا الحكم الذي حكموا به، والمعنى: أي شيء ثبت لكم كيف تحكمون لله بالبنات وهم القسم الذي تكرهونه، ولكم بالبنين وهم القسم الذي تحبونه؟ أفلا تذكرون أي: تتذكرون فحذفت إحدى التاءين، والمعنى: ألا تعتبرون وتتفكرون فتتذكرون بطلان قولكم أم لكم سلطان مبين أي:

حجة واضحة ظاهرة على هذا الذي تقولونه، وهو إضراب عن توبيخ إلى توبيخ وانتقال من تقريع إلى تقريع.

فأتوا بكتابكم إن كنتم صادقين

أي: فأتوا بحجتكم الواضحة على هذا إن كنتم صادقين فيما تقولونه، أو فأتوا بالكتاب الذي ينطق لكم بالحجة ويشتمل عليها وجعلوا بينه وبين الجنة نسبا قال أكثر المفسرين:

إن المراد بالجنة هنا الملائكة، قيل لهم: جنة، لأنهم لا يرون. وقال مجاهد: هم بطن من بطون الملائكة يقال لهم الجنة. وقال أبو مالك: إنما قيل لهم الجنة لأنهم خزان على الجنان. والنسب: الصهر. قال قتادة والكلبي:

قالوا لعنهم الله: إن الله صاهر الجن فكانت الملائكة من أولادهم قالا: والقائل بهذه المقالة اليهود. وقال مجاهد والسدي ومقاتل: إن القائل بذلك كنانة وخزاعة قالوا: إن الله خطب إلى سادات الجن فزوجوه من سروات بناتهم، فالملائكة بنات الله من سروات بنات الجن. وقال الحسن: أشركوا الشيطان في عبادة الله، فهو النسب الذي جعلوه. ثم رد الله سبحانه عليهم بقوله: ولقد علمت الجنة إنهم لمحضرون أي:

علموا أن هؤلاء الكفار الذين قالوا هذا القول يحضرون النار ويعذبون فيها. وقيل: علمت الجنة أنهم أنفسهم يحضرون للحساب. والأول أولى، لأن الإحضار إذا أطلق فالمراد لعذاب. وقيل المعنى: ولقد علمت الجنة أنهم لمحضرون إلى الجنة. ثم نزه سبحانه نفسه فقال: سبحان الله عما يصفون أو هو حكاية لتنزيه الملك لله عز وجل عما وصفه به المشركون، والاستثناء في قوله. إلا عباد الله المخلصين منقطع، والتقدير:

لكن عباد الله المخلصين بريئون عن أن يصفوا الله بشيء من ذلك. وقد قرئ بفتح اللام وكسرها ومعناهما ما بيناه قريبا. وقيل: هو استثناء من المحضرين، أي: إنهم يحضرون النار إلا من أخلص، فيكون متصلا لا منقطعا، وعلى هذا تكون جملة التسبيح معترضة. ثم خاطب الكفار على العموم أو كفار مكة على الخصوص فقال: فإنكم وما تعبدون ما أنتم عليه بفاتنين أي: فإنكم وآلهتكم التي تعبدون من دون الله لستم

الصفحة السابقة الصفحة التالية