شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

فتح القدير — ج 4

الشوكاني • التفسير • ج4 ص56

دار ابن كثير، دار الكلم الطيب - دمشق، بيروت

بحيث يكون الملك لهم ولعقبهم من بعدهم، وجملة وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا معطوفة على التي قبلها. قرأ ابن كثير وابن محيصن ويعقوب وأبو بكر ليبدلنهم بالتخفيف من أبدل، وهي قراءة الحسن، واختارها أبو حاتم. وقرأ الباقون بالتشديد من بدل، واختارها أبو عبيد، وهما لغتان، وزيادة البناء تدل على زيادة المعنى، فقراءة التشديد أرجح من قراءة التخفيف. قال النحاس: وزعم أحمد بن يحيى ثعلب أن بين التخفيف والتثقيل فرقا، وأنه يقال بدلته، أي: غيرته، وأبدلته: أزلته وجعلت غيره. قال النحاس، وهذا القول صحيح. والمعنى: أنه سبحانه يجعل لهم مكان ما كانوا فيه من الخوف من الأعداء أمنا، ويذهب عنهم أسباب الخوف الذي كانوا فيه بحيث لا يخشون إلا الله سبحانه ولا يرجون غيره. وقد كان المسلمون قبل الهجرة وبعدها بقليل في خوف شديد من المشركين، ولا يخرجون إلا في السلاح، ولا يمسون ويصبحون إلى على ترقب لنزول المضرة بهم من الكفار، ثم صاروا في غاية الأمن والدعة، وأذل الله لهم شياطين المشركين وفتح عليهم البلاد، ومهد لهم في الأرض، ومكنهم منها، فلله الحمد، وجملة يعبدونني في محل نصب على الحال ويجوز أن تكون مستأنفة مسوقة للثناء عليهم، وجملة لا يشركون بي شيئا في محل نصب على الحال من فاعل يعبدونني، أي: يعبدونني، غير مشركين بي في العبادة شيئا من الأشياء، وقيل معناه: لا يراءون بعبادتي أحدا، وقيل معناه: لا يخافون غيري، وقيل معناه: لا يحبون غيري ومن كفر بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون أي: من كفر هذه النعم بعد ذلك الوعد الصحيح، أو من استمر على الكفر، أو من كفر بعد إيمان، فأولئك الكافرون هم الفاسقون أي: الكاملون في الفسق. وهو الخروج عن الطاعة والطغيان في الكفر وجملة وأقيموا الصلاة معطوفة على مقدر يدل عليه ما تقدم، كأنه قيل لهم: فآمنوا واعملوا صالحا وأقيموا الصلاة، وقيل: معطوف على أطيعوا الله وقيل التقدير: فلا تكفروا وأقيموا الصلاة. وقد تقدم الكلام على إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة، وكرر الأمر بطاعة الرسول للتأكيد وخصه بالطاعة، لأن طاعته طاعة لله، ولم يذكر ما يطيعونه فيه لقصد التعميم كما يشعر به الحذف على ما تقرر في علم المعاني، من أن مثل هذا الحذف مشعر بالتعميم لعلكم ترحمون أي: افعلوا ما ذكر من إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة وطاعة الرسول، راجين أن يرحمكم الله سبحانه لا تحسبن الذين كفروا معجزين في الأرض قرأ ابن عامر وحمزة وأبو حيوة «لا يحسبن» بالتحتية بمعنى: لا يحسبن الذين كفروا، وقرأ الباقون بالفوقية، أي:

لا تحسبن يا محمد، والموصول: المفعول الأول، ومعجزين: الثاني، لأن الحسبان يتعدى إلى مفعولين، قاله الزجاج والفراء وأبو علي. وأما على القراءة الأولى، فيكون المفعول الأول محذوفا، أي: لا يحسبن الذين كفروا أنفسهم. قال النحاس: وما علمت أحدا بصريا ولا كوفيا إلا وهو يخطئ قراءة حمزة، ومعجزين معناه:

فائتين. وقد تقدم تفسيره وتفسير ما بعده.

وقد أخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: ويقولون آمنا بالله وبالرسول الآية قال: أناس من المنافقين أظهروا الإيمان والطاعة، وهم في ذلك يصدون عن سبيل الله وطاعته، وجهاد مع رسوله صلى الله عليه وسلم. وأخرجوا أيضا عن الحسن قال: إن الرجل كان يكون بينه وبين الرجل خصومة، أو منازعة

#

الصفحة السابقة الصفحة التالية