فتح القدير — ج 4
الشوكاني • التفسير • ج4 ص57
دار ابن كثير، دار الكلم الطيب - دمشق، بيروت
على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإذا دعي إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو محق أذعن وعلم أن النبي صلى الله عليه وسلم سيقضي له بالحق، وإذا أراد أن يظلم فدعي إلى النبي صلى الله عليه وسلم أعرض وقال: أنطلق إلى فلان، فأنزل الله سبحانه وإذا دعوا إلى الله ورسوله إلى قوله: هم الظالمون فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من كان بينه وبين أخيه شيء فدعاه إلى حكم من حكام المسلمين فلم يجب، فهو ظالم لا حق له» . قال ابن كثير بعد أن ساق هذا المتن ما لفظه: وهذا حديث غريب وهو مرسل. وقال ابن العربي: هذا حديث باطل، فأما قوله: فهو ظالم، فكلام صحيح. وأما قوله: فلا حق له، فلا يصح. ويحتمل أن يريد أنه على غير الحق انتهى. وأقول: أما كون الحديث مرسلا فظاهر. وأما دعوى كونه باطلا فمحتاجة إلى برهان، فقد أخرجه ثلاثة من أئمة الحديث عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم كما ذكرنا، ويبعد كل البعد أن ينفق عليهم ما هو باطل، وإسناده عند ابن أبي حاتم هكذا: قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا مبارك، حدثنا الحسن فذكره. وليس في هؤلاء كذاب ولا وضاع. ويشهد له ما أخرجه الطبراني عن الحسن عن سمرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من دعي إلى سلطان فلم يجب، فهو ظالم لا حق له» . انتهى. ولا يخفاك أن قضاة العدل وحكام الشرع الذين هم على الصفة التي قدمنا لك قريبا هم سلاطين الدين المترجمون عن الكتاب والسنة، المبينون للناس ما نزل إليهم. وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال: أتى قوم النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا رسول الله! لو أمرتنا أن نخرج من أموالنا لخرجنا، فأنزل الله وأقسموا بالله جهد أيمانهم
الآية. وأخرج ابن أبي حاتم عن مقاتل في الآية قال: ذلك في شأن الجهاد، قال يأمرهم أن لا يحلفوا على شيء طاعة معروفة
قال أمرهم أن يكون منهم طاعة معروفة للنبي صلى الله عليه وسلم من غير أن يقسموا. وأخرج ابن المنذر عن مجاهد طاعة معروفة
يقول: قد عرفت طاعتكم، أي: إنكم تكذبون به. وأخرج مسلم والترمذي وغيرهما عن علقمة بن وائل الحضرمي عن أبيه قال: «قدم زيد بن أسلم على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: أرأيت إن كان علينا أمراء يأخذون منا الحق ولا يعطونا؟ قال: فإنما عليهم ما حملوا وعليكم ما حملتم» وأخرج ابن جرير وابن قانع والطبراني عن علقمة بن وائل الحضرمي عن سلمة بن يزيد الجعفي قال: قلت يا رسول الله، فذكر نحوه. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن الزبير عن جابر أنه سأل: إن كان علي إمام فاجر فلقيت معه أهل ضلالة أقاتل أم لا؟ قال: قاتل أهل الضلالة أينما وجدتهم، وعلى الإمام ما حمل وعليكم ما حملتم. وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه عن البراء في قوله: وعد الله الذين آمنوا منكم الآية. قال: فينا نزلت ونحن في خوف شديد، وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن أبي العالية قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه بمكة نحوا من عشر سنين يدعون إلى الله وحده وعبادته وحده لا شريك له سرا، وهم خائفون لا يؤمرون بالقتال، حتى أمروا بالهجرة إلى المدينة فقدموا المدينة، فأمرهم الله بالقتال، وكانوا بها خائفين يمسون في السلاح ويصبحون في السلاح، فغبروا «1» بذلك ما شاء الله، ثم إن رجلا من أصحابه قال: يا رسول الله! أبد الدهر نحن خائفون هكذا؟ ما يأتي علينا يوم نأمن فيه ونضع فيه السلاح؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لن تغبروا إلا