شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

فتح القدير — ج 5

الشوكاني • التفسير • ج5 ص138

دار ابن كثير، دار الكلم الطيب - دمشق، بيروت

ولم يصب من قال: إن هذه الآية منسوخة بمثل هذه الأمور، فإن الخاص لا ينسخ العام، بل يخصصه، فكل ما قام الدليل على أن الإنسان ينتفع به وهو من غير سعيه كان مخصصا لما في هذه الآية من العموم. وأن سعيه سوف يرى أي: يعرض عليه ويكشف له يوم القيامة ثم يجزاه أي: يجزى الإنسان سعيه، يقال: جزاه الله بعمله وجزاه على عمله، فالضمير المرفوع عائد إلى الإنسان والمنصوب إلى سعيه. وقيل:

إن الضمير المنصوب راجع إلى الجزاء المتأخر وهو قوله: الجزاء الأوفى فيكون الضمير راجعا إلى متأخر عنه هو مفسر له، ويجوز أن يكون الضمير المنصوب راجعا إلى الجزاء الذي هو مصدر يجزاه، ويجعل الجزاء الأوفى تفسيرا للجزاء المدلول عليه بالفعل، كما في قوله: اعدلوا هو أقرب «1» قال الأخفش: يقال: جزيته الجزاء «2» وجزيته بالجزاء سواء لا فرق بينهما وأن إلى ربك المنتهى أي: المرجع والمصير إليه سبحانه لا إلى غيره فيجازيهم بأعمالهم.

وقد أخرج ابن مردويه عن ابن عباس في قوله: الذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش قال: الكبائر:

ما سمى الله فيه النار، والفواحش: ما كان فيه حد الدنيا. وأخرج البخاري ومسلم وغير هما عن ابن عباس قال: ما رأيت شيئا أشبه باللمم مما قال أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله كتب على ابن آدم حظه من الزنا أدرك ذلك لا محالة، فزنا العين النظر، وزنا اللسان النطق، والنفس تتمنى وتشتهي، والفرج يصدق ذلك أو يكذبه» . وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر، والحاكم وصححه، والبيهقي، في الشعب، عن ابن مسعود في قوله: إلا اللمم قال: زنا العينين: النظر، وزنا الشفتين:

التقبيل، وزنا اليدين: البطش، وزنا الرجلين: المشي، ويصدق ذلك الفرج أو يكذبه، فإن تقدم بفرجه كان زانيا، وإلا فهو اللمم. وأخرج مسدد وابن جرير وابن أبي حاتم عن أبي هريرة أنه سئل عن قوله: إلا اللمم قال: هي النظرة والغمزة والقبلة والمباشرة، فإذا مس الختان الختان فقد وجب الغسل، وهو الزنا.

وأخرج سعيد بن منصور، والترمذي وصححه، والبزار وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، والحاكم وصححه، وابن مردويه، والبيهقي في الشعب، عن ابن عباس قال في قوله: إلا اللمم هو الرجل يلم بالفاحشة ثم يتوب منها. قال: وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

إن تغفر اللهم تغفر جما ... وأي عبد لك لا ألما؟

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عنه في قوله: إلا اللمم يقول: إلا ما قد سلف. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه، والبيهقي في الشعب، عن أبي هريرة في قوله: إلا اللمم قال:

اللمة: من الزنا ثم يتوب ولا يعود، واللمة: من شرب الخمر ثم يتوب ولا يعود، فذلك الإلمام. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن ابن عباس قال: اللمم كل شيء بين الحدين حد الدنيا وحد الآخرة يكفره الصلاة، وهو دون كل موجب، فأما حد الدنيا فكل حد فرض الله عقوبته في الدنيا وأما حد الآخرة فكل شيء

الصفحة السابقة الصفحة التالية