فتح القدير — ج 5
الشوكاني • التفسير • ج5 ص164
دار ابن كثير، دار الكلم الطيب - دمشق، بيروت
كل يوم هو في شأن انتصاب «كل» بالاستقرار الذي تضمنه الخبر، والتقدير: استقر سبحانه في شأنه كل وقت من الأوقات، واليوم عبارة عن الوقت، والشأن هو الأمر، ومن جملة شؤونه سبحانه إعطاء أهل السماوات والأرض ما يطلبونه منه على اختلاف حاجاتهم وتباين أغراضهم. قال المفسرون: من شأنه أنه يحيي ويميت، ويرزق ويفقر، ويعز ويذل، ويمرض ويشفي، ويعطي ويمنع، ويغفر ويعاقب، إلى غير ذلك مما لا يحصى.
وقيل: المراد باليوم المذكور هو يوم الدنيا ويوم الآخرة. قال ابن بحر: الدهر كله يومان: أحدهما مدة أيام الدنيا، والآخر يوم القيامة. وقيل: المراد كل يوم من أيام الدنيا فبأي آلاء ربكما تكذبان فإن اختلاف شؤونه سبحانه في تدبير عباده نعمة لا يمكن جحدها، ولا يتيسر لمكذب تكذيبها سنفرغ لكم أيه الثقلان هذا وعيد شديد من الله سبحانه للجن والإنس. قال الزجاج والكسائي وابن الأعرابي وأبو علي الفارسي:
إن الفراغ هاهنا ليس هو الفراغ من شغل، ولكن تأويله القصد، أي: سنقصد لحسابكم. قال الواحدي حاكيا عن المفسرين: إن هذا تهديد منه سبحانه لعباده، ومن هذا قول القائل لمن يريد تهديده: إذن أتفرغ لك، أي: أقصد قصدك، وفرغ يجيء بمعنى قصد، وأنشد ابن الأنباري قول الشاعر «1» :
الآن وقد فرغت إلى نمير ... فهذا حين كنت لها عذابا
يريد: وقد قصدت، وأنشد النحاس قول الشاعر «2» :
...
فرغت إلى القين المقيد في الحجل «3»
أي: قصدت. وقيل: إن الله سبحانه وعد على التقوى وأوعد على المعصية، ثم قال: سنفرغ لكم مما وعدناكم ونوصل كلا إلى ما وعدناه، وبه قال الحسن ومقاتل وابن زيد، ويكون الكلام على طريق التمثيل.
قرأ الجمهور: سنفرغ بالنون وضم الراء، وقرأ حمزة والكسائي بالتحتية مفتوحة مع ضم الراء، أي:
سيفرغ الله، وقرأ الأعرج بالنون مع فتح الراء. قال الكسائي: هي لغة تميم، وقرأ عيسى الثقفي بكسر النون وفتح الراء، وقرأ الأعمش وإبراهيم بضم الياء وفتح الراء على البناء للمفعول. وسمي الجن والإنس ثقلين لعظم شأنهما بالنسبة إلى غير هما من حيوانات الأرض، وقيل: سموا بذلك لأنهم ثقل على الأرض أحياء وأمواتا، كما في قوله: وأخرجت الأرض أثقالها «4» وقال جعفر الصادق: سيما ثقلين لأنهما مثقلان بالذنوب، وجمع في قوله: لكم ثم قال: أيه الثقلان لأنهما فريقان، وكل فريق جمع. قرأ الجمهور: بفتح الهاء، وقرأ أهل الشام بضمها فبأي آلاء ربكما تكذبان فإن من جملتها ما في هذا التهديد من النعم، فمن ذلك أنه ينزجر به المسيء عن إساءته، ويزداد به المحسن إحسانا فيكون ذلك سببا للفوز بنعيم الدار الآخرة الذي