فتح القدير — ج 5
الشوكاني • التفسير • ج5 ص165
دار ابن كثير، دار الكلم الطيب - دمشق، بيروت
هو النعيم في الحقيقة يا معشر الجن والإنس قدم الجن هنا لكون خلق أبيهم متقدما على خلق آدم، ولوجود جنسهم قبل جنس الإنس إن استطعتم أن تنفذوا من أقطار السماوات والأرض أي: إن قدرتم أن تخرجوا من جوانب السماوات والأرض ونواحيهما هربا من قضاء الله وقدره فانفذوا منها وخلصوا أنفسكم، يقال: نفذ الشيء من الشيء إذا خلص منه كما يخلص السهم لا تنفذون إلا بسلطان أي: لا تقدرون على النفوذ إلا بقوة وقهر، ولا قوة لكم على ذلك ولا قدرة، والسلطان: القوة التي يتسلط بها صاحبها على الأمر، والأمر بالنفوذ أمر تعجيز. قال الضحاك: بينما الناس في أسواقهم إذ انفتحت السماء ونزلت الملائكة فهرب الجن والإنس فتحدق بهم الملائكة، فذلك قوله: لا تنفذون إلا بسلطان. قال ابن المبارك:
إن ذلك يكون في الآخرة. وقال الضحاك أيضا: معنى الآية: إن استطعتم أن تهربوا من الموت فاهربوا.
وقيل: إن استطعتم أن تعلموا ما في السماوات والأرض فاعلموه، ولن تعلموه إلا بسلطان، أي: ببينة من الله. وقال قتادة: معناها لا تنفذوا إلا بملك وليس لكم ملك. وقيل الباء بمعنى إلى، أي: لا تنفذون إلا إلى سلطان فبأي آلاء ربكما تكذبان ومن جملتها هذه النعمة الحاصلة بالتحذير والتهديد، فإنها تزيد المحسن إحسانا، وتكف المسيء عن إساءته، مع أن من حذركم وأنذركم قادر على الإيقاع بكم من دون مهلة يرسل عليكما شواظ من نار قرأ الجمهور: يرسل بالتحتية مبنيا للمفعول، وقرأ زيد بن علي بالنون ونصب شواظ. والشواظ: اللهب الذي لا دخان معه. وقال مجاهد: الشواظ اللهب الأخضر المتقطع من النار. وقال الضحاك: هو الدخان الذي يخرج من اللهب ليس بدخان الحطب. وقال الأخفش وأبو عمرو: هو النار والدخان جميعا. قرأ الجمهور: شواظ بضم الشين، وقرأ ابن كثير بكسرها وهما لغتان، وقرأ الجمهور ونحاس بالرفع عطفا على شواظ، وقرأ ابن كثير وابن محيصن ومجاهد وأبو عمرو بخفضه عطفا على نار، وقرأ الجمهور: نحاس بضم النون، وقرأ مجاهد وعكرمة وحميد وأبو العالية بكسرها. وقرأ مسلم بن جندب والحسن
«ونحس»
. والنحاس: الصفر المذاب يصب على رؤوسهم، قاله مجاهد وقتادة وغير هما. وقال سعيد بن جبير: هو الدخان الذي لا لهب له، وبه قال الخليل.
وقال الضحاك: هو دردي الزيت المغلي. وقال الكسائي: هو النار التي لها ريح شديدة، وقيل: هو المهل فلا تنتصران أي: لا تقدران على الامتناع من عذاب الله فبأي آلاء ربكما تكذبان فإن من جملتها هذا الوعيد الذي يكون به الانزجار عن الشر والرغوب في الخير فإذا انشقت السماء أي: انصدعت بنزول الملائكة يوم القيامة فكانت وردة كالدهان أي: كوردة حمراء. قال سعيد بن جبير وقتادة:
المعنى: فكانت حمراء، وقيل: فكانت كلون الفرس الورد، وهو الأبيض الذي يضرب إلى الحمرة أو الصفرة.
قال الفراء وأبو عبيدة: تصير السماء كالأديم لشدة حر النار. وقال الفراء أيضا: شبه تلون السماء بتلون الورد من الخيل، وشبه الورد في ألوانها بالدهن واختلاف ألوانه. والدهان: جمع دهن، وقيل: المعنى تصير السماء في حمرة الورد، وجريان الدهن، أي: تذوب مع الانشقاق حتى تصير حمراء من حرارة نار جهنم، وتصير مثل الدهن لذوبانها، وقيل: الدهان: الجلد الأحمر. وقال الحسن: «كالدهان» أي: كصبيب
#