شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

فتح القدير — ج 5

الشوكاني • التفسير • ج5 ص411

دار ابن كثير، دار الكلم الطيب - دمشق، بيروت

ولا بالقرآن، ولا صلى لربه، والضمير يرجع إلى الإنسان المذكور في أول هذه السورة. قال قتادة: فلا صدق بكتاب الله ولا صلى لله، وقيل: فلا آمن بقلبه ولا عمل ببدنه. قال الكسائي لا بمعنى لم، وكذا قال الأخفش:

والعرب تقول: لا ذهب، أي: لم يذهب، وهذا مستفيض في كلام العرب، ومنه:

إن تغفر اللهم تغفر جما ... وأي عبد لك لا ألما

ولكن كذب وتولى أي: كذب بالرسول وبما جاء به، وتولى عن الطاعة والإيمان ثم ذهب إلى أهله يتمطى أي: يتبختر ويختال في مشيته افتخارا بذلك. وقيل: هو مأخوذ من المطي وهو الظهر، والمعنى: يلوي مطاه. وقيل: أصله يتمطط، وهو التمدد والتثاقل، أي: يتثاقل ويتكاسل عن الداعي إلى الحق أولى لك فأولى - ثم أولى لك فأولى أي: وليك الويل، وأصله أولاك الله ما تكرهه، واللام مزيدة كما في ردف لكم «1» وهذا تهديد شديد، والتكرير للتأكيد، أي: يتكرر عليك ذلك مرة بعد مرة.

قال الواحدي: قال المفسرون: أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بيد أبي جهل، ثم قال: أولى لك فأولى فقال أبو جهل: بأي شيء تهددني لا تستطيع أنت ولا ربك أن تفعلا بي شيئا، وإني لأعز أهل هذا الوادي، فنزلت هذه الآية. وقيل: معناه: الويل لك، ومنه قول الخنساء:

هممت بنفسي كل الهموم ... فأولى لنفسي أولى لها

وعلى القول بأنه الويل، قيل: هو من المقلوب كأنه قيل: أويل لك، ثم أخر الحرف المعتل. قيل: ومعنى التكرير لهذا اللفظ أربع مرات، والويل لك حيا، والويل لك ميتا، والويل لك يوم البعث، والويل لك يوم تدخل النار. وقيل: المعنى: إن الذم لك أولى لك من تركه. وقيل: المعنى: أنت أولى وأجدر بهذا العذاب قاله ثعلب. وقال الأصمعي: أولى في كلام العرب معناه مقاربة الهلاك. قال المبرد: كأنه يقول: قد وليت الهلاك وقد دانيته، وأصله من الولي، وهو القرب، وأنشد الفراء:

فأولى أن يكون لك الولاء «2»

أي: قارب أن يكون لك، وأنشد أيضا:

أولى لمن هاجت له أن يكمدا

أيحسب الإنسان أن يترك سدى أي: هملا، لا يؤمر ولا ينهى، ولا يحاسب ولا يعاقب، وقال السدي: معناه المهمل، ومنه إبل سدى، أي: ترعى بلا راع، وقيل: المعنى: أيحسب أن يترك في قبره كذلك أبدا لا يبعث. وجملة ألم يك نطفة من مني يمنى مستأنفة، أي: ألم يك ذلك الإنسان قطرة من مني يراق في الرحم، وسمي المني منيا لإراقته، والنطفة: الماء القليل، يقال: نطف الماء إذا قطر.

الصفحة السابقة الصفحة التالية