فتح القدير — ج 5
الشوكاني • التفسير • ج5 ص67
دار ابن كثير، دار الكلم الطيب - دمشق، بيروت
قرأ الجمهور فآزره بالمد. وقرأ ابن ذكوان وأبو حيوة وحميد بن قيس بالقصر، وعلى قراءة الجمهور قول امرئ القيس:
بمحنية «1» قد آزر الضال «2» نبتها ... مجر جيوش غانمين وخيب
قال الفراء: آزرت فلانا آزره أزرا إذا قويته فاستغلظ أي: صار ذلك الزرع غليظا بعد أن كان دقيقا فاستوى على سوقه أي: فاستقام على أعواده، والسوق: جمع ساق. وقرأ قنبل: سؤقه بالهمزة الساكنة يعجب الزراع أي: يعجب هذا الزرع زارعه لقوته وحسن منظره، وهذا مثل ضربه الله سبحانه لأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وأنهم يكونون في الابتداء قليلا، ثم يزدادون ويكثرون ويقوون كالزرع، فإنه يكون في الابتداء ضعيفا، ثم يقوى حالا بعد حال حتى يغلظ ساقه. قال قتادة: مثل أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم في الإنجيل أنه سيخرج من قوم ينبتون نبات الزرع يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر. ثم ذكر سبحانه علة تكثيره لأصحاب نبيه صلى الله عليه وسلم وتقويته لهم، فقال: ليغيظ بهم الكفار أي: كثرهم وقواهم ليكونوا غيظا للكافرين، واللام متعلقة بمحذوف، أي: فعل ذلك ليغيظ وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات منهم مغفرة وأجرا عظيما أي: وعد سبحانه هؤلاء الذين مع محمد صلى الله عليه وسلم أن يغفر ذنوبهم، ويجزل أجرهم بإدخالهم الجنة التي هي أكبر نعمة وأعظم منة.
وقد أخرج أحمد، والبيهقي في الدلائل، عن ابن عباس قال: نحروا يوم الحديبية سبعين بدنة، فلما صدت عن البيت حنت كما تحن إلى أولادها. وأخرج الحسن بن سفيان وأبو يعلى وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن قانع والباوردي والطبراني وابن مردويه، قال السيوطي: بسند جيد، عن أبي جميعة جنيد بن سبع قال: «قابلت رسول الله صلى الله عليه وسلم أول النهار كافرا، وقابلت معه آخر النهار مسلما، وفينا نزلت ولولا رجال مؤمنون ونساء مؤمنات وكنا تسعة نفر سبعة رجال وامرأتان» وفي رواية عند ابن أبي حاتم: «كنا ثلاثة رجال وتسع نسوة» . وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس لولا رجال مؤمنون ونساء مؤمنات لم تعلموهم قال: حين ردوا النبي صلى الله عليه وسلم أن تطؤهم بقتلكم إياهم لو تزيلوا يقول: لو تزيل الكفار من المؤمنين لعذبهم الله عذابا أليما بقتلكم إياهم. وأخرج البخاري ومسلم وغير هما عن سهل بن حنيف أنه قال: يوم صفين: [أيها الناس] «3» اتهموا أنفسكم، فلقد رأيتنا يوم الحديبية، يعني الصلح الذي كان بين النبي صلى الله عليه وسلم وبين المشركين، ولو نرى قتالا لقاتلنا، فجاء عمر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله ألسنا على الحق وهم على الباطل؟ أليس قتلانا في الجنة وقتلاهم في النار؟ قال: بلى. قال: ففيم نعطي الدنية في ديننا ونرجع ولما يحكم الله بيننا وبينهم؟ قال: «يا بن الخطاب إني رسول الله ولن يضيعني الله