الفوائد
ابن قيم الجوزية • التزكية والرقائق • ج1 ص7
دار الكتب العلمية - بيروت
{ما تنقص الأرض منهم} والثاني تقرير كمال قدرته كقوله أو ليس الذي خلق السموات والأرض بقادر على أن يخلق مثلهم وقوله {بلى قادرين على أن نسوي بنانه} وقوله ذلك بأن الله هو الحق وانه يحي الموتى وأنه على كل شيء قدير ويجمع سبحانه بين الأمرين كما في قوله أو ليس الذي خلق السموات والأرض بقادر على أن يخلق مثلهم بلى وهو الخلاق العليم الثالث كمال حكمته كقوله وما خلقنا السموات والأرض وما بينهما لاعبين وقوله {وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما باطلا} وقوله {أيحسب الأنسان أن يترك سدى} وقوله {أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا وأنكم إلينا لا ترجعون فتعالى الله الملك الحق} وقوله {أم حسب الذين اجترحوا السيئات أن نجعلهم كالذين آمنوا وعملوا الصالحات سواء محياهم ومماتهم ساء ما يحكمون} ولهذا كان الصواب أن المعاد معلوم بالعقل مع الشرع وأن كمال الرب تعالى وكمال أسمائه وصفاته تقتضيه وتوجبه وأنه منزه عما يقوله منكروه كما ينزه كماله عن سائر العيوب والنقائص ثم أخبر سبحانه أن المنكرين لذلك لما كذبوا بالحق اختلط عليهم أمرهم {فهم في أمر مريج} مختلط لا يحصلون منه على شيء ثم دعاهم إلى النظر في العالم العلوي وبنائه وارتفاعه واستوائه وحسنه والتئامه ثم إلى العالم السفلي وهو الأرض وكيف بسطها وهيأها بالبسط لما يراد منها وثبتها بالجبال وأودع فيها المنافع وأنبت فيها من كل صنف حسن من أصناف النبات على اختلاف أشكاله وألوانه ومقاديره ومنافعه وصفاته وأن ذلك تبصرة إذا تأملها العبد المنيب وتبصر بها تذكر ما دلت عليه مما أخبرت به الرسل من التوحيد والمعاد فالناظر فيها يتبصر أولا ثم يتذكر ثانيا وأن هذا لا يحصل إلا لعبد منيب إلى الله بقلبه وجوارحه ثم دعاهم إلى التفكر في مادة أرزاقهم وأقواتهم وملابسهم ومراكبهم وجناتهم وهو الماء الذي أنزله من السماء وبارك فيه حتى أنبت به جنات مختلفة الثمار والفواكه ما بين أبيض وأسود وأحمر وأصفر وحلو وحامض وبين ذلك مع اختلاف منابعها وتنوع أجناسها وأنبت به
#
