الفصل في الملل والأهواء والنحل — ج 1
الإمام ابن حزم • العقيدة والتوحيد • ج1 ص155
مكتبة الخانجي - القاهرة
قال أبو محمد رضي الله عنه وإن دين اليهود ليميل إلى هذا ميلا شديدا لأنه ليس في توراتهم ذكر المعاد أصلا ولا الجزاء بعد الموت وهذا مذهب الدهرية بلا كلفة فقد جمعوا الدهرية والشك والتشبيه وكل حمق في العالم على أن فيه بما أطلعهم الله على تبديل ما شاء رفعه من كتابهم وكف أيديهم عما شاء ابقاءه حجة لنا عليهم ومعجزة لنبينا صلى الله عليه وسلم وفي المزمور الحادي والستين منه أن العرب وبني سبا يؤدون إليه المال ويتبعونه وإن الدم يكون له عنده ثمن وهذه صفة الدية التي ليست إلا في ديننا وفيه أيضا ويظهر من المدينة هكذا نصا وهذا إنذار بين برسول الله صلى الله عليه وسلم وأما الكتب التي يضيفونها إلى سليمان عليه السلام فهي ثلاثة أحدها يسمى شارهسير ثم معناه شعر الأشعار وهو على الحقيقة هوس الأهواس لأنه كلام أحمق لا يعقل ولا يدري أحد منهم مراده إنما هو مرة يتغزل بمذكر ومرة يتغزل بمؤنث ومرة يأتي منه بلغم لزج بمنزلة ما يأتي به المصدوع والذي فسد دماغه وقد رأيت بعضهم يذهب إلى أنه رموز على الكيمياء وهذا وسواس آخر ظريف والثاني يسمى مثلا معناه الأمثال فيه مواعظ وفيه إن قال إن يخلق الله شيئا في البدء من الأبد أنا صرت ومن القديم قبل أن تكون الأرض وقبل أن تكون النجوم أنا قد كنت استلمت وقد كنت ولدت وليس كان خلق الأرض بعد ولا الأنهار وإذ خلق الله السموات قد كنت حاضرا وإذ كان يجعل للنجوم حدا صحيحا ويدق بها وكان يوثق السموات في العلو ويقدر عيون المياه وإذ كان يحدق على البحر بنجمه ويجعل للمياه نحى لئلا تجاوز جوزها وإذ كان يعلق أساسات الأرض أنا معه كنت مهيئا للجميع قال أبو محمد رضي الله عنه فهل في الملحدة أكثر من هذا وهل يضاف هذا الحمق إلى رجل معتدل فكيف إلى بني إسرائيل وهل هذا الإشراك صحيح وحاش لله أن يقول سليمان عليه السلام هذا الكلام تالله ما غبط أهل الإلحاد بإلحادهم إلا هذا ومثله ورأيت بعضهم يخرج هذا على أنه إنما أراد علم الله تعالى
قال أبو محمد رضي الله عنه ولا يعجز من لا حياء له عن أن يقلب كل كلام إلى ما اشتهى بلا برهان ووصف الكلام عن موضعه ومعناه إلى معنى آخر لا يجوز إلا بدليل صحيح غير ممتنع المراد في اللغة والثالث يسمى فوهلث معناه الجوامع فيه إن قال مخاطبا لله تعالى اخترني أميرا إلى أمتك وحا كما على بنيك وبناتك وهذا كالذي سلف وحاش لله أن يكون له بنات وبنون لا سيما مثل بني إسرائيل في كفرهم في دينهم وضعفهم في دنياهم ورذالتهم في أحوالهم النفسية والجسدية وفي كتاب حزقيا يقول السيد حامد يدي على بني عيسو وأذهب عن أرضهم الآدميين والأنعام وأفقرهم وأنتقم منهم على يدي أمتي بني إسرائيل
قال أبو محمد رضي الله عنه وهذا ميعاد قد ظهر كذبه يقينا لأن بني إسرائيل قد بادوا جملة وبنو عيسو باقون في بلادهم بنص كتبهم ثم بعد ذلك باد بنو عيسو فما على أديم الأرض منهم أحد يعرف أنه منهم وصارت بلادهم للمسلمين وسكانها لخم وغيرهم من العرب وبطل بذلك أن يدعوا أن هذا يكون في المستأنف وفي كتاب لشعيا أنه رأى الله عزوجل شيخا أبيض الرأس واللحية وهذا تشبيه حاشا لنبي أن يقوله وفيه قال الرب من سمع قط مثل هذا أنا أعطي غيري أن يلد ولا ألد أنا وأنا الذي أرزق غيري أنا أكون أنا بلا ابن
#