الفصل في الملل والأهواء والنحل — ج 2
الإمام ابن حزم • العقيدة والتوحيد • ج2 ص14
مكتبة الخانجي - القاهرة
يسوع قد صار مكتوبا بأن عيش المرء ليس بالخبز وحده ولكن في كل كلمة تخرج من فم الله تعالى وبعد هذا أقبل إبليس في المدينة المقدسة وهو واقف في أعلى بنيانها وقال له إن كنت ولد الله فترام من فوق فإنه قد صار مكتوبا بأنه سيبعث ملائكة يرفدونك ويدفعون عنك حتى لا يصيب قدمك مكروه فأجابه يسوع وقال قه قد صا مكتوبا أيضا أن لا يقيس أحد العبيد إلهه ثم عاد إليه إبليس وهو في أعلى جبل منيف فأطهر له زينة جميع الدنيا وشرفها وقال له إني سأملكك كل ما ترى إن سجدت لي فقال له يسوع اذهب يا منافق مقهقرا فقد كتب أن لا يعبد أحد غير السيد إلهه ولا يخدم سواه فتأيس عنه إبليس عند ذلك وتنحى عنه وأقبلت الملائكة وتولت خدمته وفي الباب الرابع من إنجيل لوقا فانصرف يسوع من الأردن محشوا من روح القدس وقاده الروح إلى القفار ومكث فيه أربعين يوما وقايسه إبليس فيه ولم يأكل شيئا في تلك الأربعين يوما فلما أكملها جاع فقال له إبليس إن كنت ابن الله فأمر هذه الحجر أن يصير خبزا فأجابه يسوع وقال له قد صار مكتوبا أنه ليس عيش الآدمي في الخبز وحده إلا في كل كلمة لله ثم قاده إبليس إلى جبل منيف عال وعرض عليه وملك جميع الدنيا من وقته وقال له سأملكك هذا السلطان وأنزلك بعطمته لأني قد ملكته وأنا أعطيه من وافقني فإن سجدت لي كان لك أجمع فأجابه يسوع وقال له قد صار مكتوبا أن تعبد السيد إلهك وتخدمه وحده ثم ساقه إلى برشام وصعده ووقفه على صخرة البيت في أعلاه وقال له إن كنت ولد الله فتسبسب من هاهنا لأنه مكتوب أن يبعث ملائكة لحرزك وحملك في الأكف حتى لا تعثر بقدمك في حجر ولا يصيبك مكروه فأجابه يسوع وقال له قد كتب أيضا أن لا تقيس السيد إلهك
قال أبو محمد رضي الله عنه في هذا الفضل عجائب لم يسمع بأطم منها أولها إقرار الصادق عندهم بأن إبليس قاد المسيح مرة إلى جبل منيف وانقاد له ومضى معه وقاده مرة أخرى إلى أعلى صخرة في بيت المقدس فما نراه إلا ينقاد لإبليس حيث قاده ولا يخلوا من أن يكون قاده فانقاد له مطيقا سامعا فما نراه نراه إلا منصرفا تحت حكم الشيطان وهذه والله منزلة رذيلة جدا أو يكون قاده كرها فهذه منزلة المصروعين الذين يتخبطهم الشيطان من المس حاشى الأنبياء من كلتا الصفتين فكيف بإله وابن إله بزعمهم وما سمع قط بأحمق من هذا الهوس ونحمد الله على عظيم منته ثم الطامة الأخرى كيف يطمع إبليس عند هؤلاء النوكي في أن يسجد له خالقه وفي أن يعبده ربه وفي أن يخضع له من فيه روح اللاهوت أم كيف يدعو إبليس ربه وإلهه إلى أن يعبده والله إني لأقطع أن كفر إبليس وحمقه لم يبلغا قط هذه المبلغ فهذه آبدة الدهر ثم عجب آخر كيف يمني إبليس رب الدنيا وخالقها ومالكها ومالكه وإلهنا وإلهه في أن يملكه زينة الدنيا فهذه
#