محاضرات مركز تراث للتدريب .. آفاق الذكاء الاصطناعي في العمل الخيري والدعوي .. (1-3)
مجلة الفرقان الكويتية • مذاهب فكرية في الميزان
محاضرات مركز تراث للتدريب .. آفاق الذكاء الاصطناعي في العمل الخيري والدعوي .. (1-3)
تطوير العمل الخيري ضرورة تفرضها تحديات الفقر وتزايد الاحتياجات الإنسانية، بما يستدعي وسائل أكثر كفاءة واستدامة
الذكاء الاصطناعي فرصة استراتيجية لتطوير الإدارة الخيرية وترشيد الموارد ورفع الكفاءة وتعظيم الأثر التنموي
يسهم الذكاء الاصطناعي في الانتقال من معالجة آثار الفقر إلى معالجة أسبابه ومن الإعانة المتكررة إلى التمكين الاقتصادي
يجب أن يرتبط توظيف الذكاء الاصطناعي بالمقاصد الشرعية والمسؤولية الأخلاقية للعمل الخيري وفي مقدمتها حفظ الأموال وصيانة الحقوق وتحقيق العدل
تعزز التقنيات الذكية كفاءة إدارة المشروعات الخيرية ودقة تحديد الاحتياجات والأولويات وجودة القرارات وقياس الأثر
من أبرز فرص الذكاء الاصطناعي قدرته على دعم تخطيط المشروعات الخيرية والتنموية بدءا من دراسة الاحتياجات ومرورا بتحديد الفئات المستهدفة
نجاح التحول الذكي مرهون بجودة البيانات وكفاءة العاملين وحماية الحقوق والالتزام بالضوابط الشرعية والأخلاقية والرقابة البشرية
يمكن للنظام الذكي أن يساعد في دراسة حجم السوق والطلب المتوقع وتكاليف التشغيل والمهارات المطلوبة والمخاطر المحتملة
يشهد العالم تحولات تقنية متسارعة، يتصدرها التطور الكبير في الذكاء الاصطناعي، الذي أصبح أداة مؤثرة في إدارة المؤسسات، وصناعة القرار، وتحليل البيانات، وتطوير الخدمات، وتحسين الأداء وخفض التكاليف، وفي ظل هذه التحولات، تبرز فرص واسعة أمام مؤسسات العمل الخيري والدعوي لتوظيف هذه التقنيات في تطوير أعمالها، وترشيد مواردها، وتعزيز الحوكمة والشفافية، وتحقيق الاستدامة المالية، وتوسيع نطاق المستفيدين، فضلا عن تطوير الوسائل الدعوية وإيصال رسالة الإسلام إلى مختلف الشعوب بلغاتها وثقافاتها.
وللتعرف على أبرز هذه الفرص، نستعرض عددا من المحاور، تبدأ بالتعريف بالذكاء الاصطناعي وطبيعته وآليات عمله، ثم واقع حالة الفقر في العالم الإسلامي وسبل مواجهته، وصولا إلى تطبيقات الذكاء الاصطناعي في إدارة المؤسسات الخيرية، وتعزيز الشمول المالي والتمويل الإسلامي، وتطوير الأوقاف، وتحسين الحوكمة والرقابة، وتوظيف هذه التقنيات الذكية في خدمة الدعوة إلى الله -تعالى-، ورغم أن كل محور يستحق دراسة مستقلة، فإن الغاية هنا تقديم رؤية شاملة لأبرز الفرص المتاحة، وفتح آفاق عملية أمام المؤسسات الخيرية والدعوية لاستثمار هذه التقنيات في تطوير أدائها، وتعظيم أثرها، وتحقيق رسالتها.
المحور الأول: مفهوم الذكاء الاصطناعي
يمكن تعريف الذكاء الاصطناعي بأنه مجموعة من الأنظمة والتقنيات الحاسوبية التي تستطيع معالجة كميات كبيرة من البيانات، والتعرف على الأنماط والعلاقات بينها، وأداء مهام تتطلب عادة بعض القدرات الذهنية البشرية؛ كالتعلم والاستنتاج، وفهم اللغة، والتصنيف، والتنبؤ، ودعم اتخاذ القرار، وتتميز هذه الأنظمة بقدرتها على التعامل مع بيانات معقدة ومتنوعة، واستخلاص معلومات مفيدة منها، وتقديم نتائج أو توصيات تساعد الإنسان على أداء أعماله بطريقة أسرع وأكثر كفاءة، ولا يعني ذلك أن الذكاء الاصطناعي يمتلك عقلا بشريا أو إدراكا مماثلا لإدراك الإنسان، وإنما المقصود أنه يحاكي بعض الوظائف المعرفية من خلال نماذج رياضية وخوارزميات حاسوبية متقدمة.
وتختلف قدرات أنظمة الذكاء الاصطناعي بحسب طبيعة تصميمها، ونوعية البيانات التي تدربت عليها، والمهام التي أعدت لأدائها؛ فمنها ما يتخصص في تحليل البيانات، ومنها ما يعالج الصور والأصوات، ومنها ما يفهم النصوص وينتجها، ومنها ما يساعد على التنبؤ بالمخاطر أو اتخاذ القرارات وفق معايير محددة.
المحور الثاني: واقع الفقر وضرورة تطوير أدوات العمل الخيري
في ظل اتساع رقعة الفقر وتزايد الاحتياجات الإنسانية في كثير من المجتمعات، ولا سيما في العالم الإسلامي، تبرز الحاجة إلى تطوير أدوات العمل الخيري والانتقال من الأساليب التقليدية إلى حلول أكثر كفاءة واستدامة، تستفيد من التقنيات الحديثة في توجيه الموارد، وتحسين الاستجابة للاحتياجات، وتعظيم الأثر التنموي والإنساني.
(1) الفقر العالمي وتحديات الوصول إلى المحتاجين
قبل الحديث عن فرص الذكاء الاصطناعي في تطوير العمل الخيري، من المهم الوقوف على واقع الفقر في العالم، ولا سيما في المجتمعات الإسلامية؛ حتى ندرك حجم المسؤولية الملقاة على عاتق المؤسسات الخيرية، وأهمية البحث عن وسائل أكثر كفاءة للوصول إلى المحتاجين، ويعتمد البنك الدولي خطوطا دولية للفقر تقاس وفق تعادل القوة الشرائية، وقد رفع في تحديث عام 2025 خط الفقر المدقع الدولي إلى ثلاثة دولارات للفرد يوميا، وتشير تقديرات البنك الدولي 2025 إلى نحو 831 مليون شخص يعيشون في فقر مدقع عالميا، أغلبهم في دول إسلامية فقيرة (جنوب آسيا، أفريقيا جنوب الصحراء)، مع تزايد الفقر في المنطقة العربية بسبب الصراعات والتضخم.
تضم منظمة التعاون الإسلامي سبعا وخمسين دولة عضوا، وتتفاوت مستويات التنمية والدخل والخدمات الأساسية بينها تفاوتا كبيرا، وتشير التقارير الاقتصادية والاجتماعية المتعلقة بدول المنظمة إلى تحديات واسعة في مكافحة الفقر، ويشير تقرير منتدى البركة الأخير لعام 2024 أن ما يزيد عن 661 مليون نسمة بنسبة تجاوز 41% في دول المنظمة يعيشون تحت خط الفقر، وتشير تقارير الأمم المتحدة ومنظمة العمل الدولية إلى أن غالبية فقراء العالم (83%) يعيشون في المناطق الريفية والنائية، حيث يصعب أحيانا الوصول إليهم، أو توثيق احتياجاتهم، أو إيصال المساعدات بصورة منتظمة، وهنا تظهر أهمية التقنيات الذكية في تحليل التوزيع الجغرافي للفقر، وتحديد التجمعات السكانية المحرومة من الخدمات، وتحسين وسائل التواصل والدفع والتحويل، وتوجيه الموارد إلى المناطق الأشد احتياجا.
(3) العمل الخيري أمانة واصطفاء ومسؤولية