محاضرات مركز تراث للتدريب .. آفاق الذكاء الاصطناعي في العمل الخيري والدعوي .. (1-3)
مجلة الفرقان الكويتية • مذاهب فكرية في الميزان
إن الحديث عن تطوير العمل الخيري لا ينبغي أن ينفصل عن المعاني الإيمانية التي يقوم عليها هذا العمل؛ فهو قبل أن يكون نشاطا إداريا أو ماليا، عبادة وقربة إلى الله -تعالى-، وأمانة عظيمة يتحملها القائمون عليه، وقد ورد عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: «إن لله أقواما اختصهم بالنعم لمنافع العباد، يقرهم فيها ما بذلوها، فإذا منعوها نزعها منهم فحولها إلى غيرهم»، والمعنى الذي يراد تأكيده أن ما يمنحه الله -تعالى- للإنسان من مال أو قدرة أو علم أو مكانة إنما ينبغي أن يكون وسيلة لنفع الناس وقضاء حوائجهم، ومن أعظم نعم الله على العاملين في المؤسسات الخيرية أن يستعملهم في خدمة الفقراء والمحتاجين، وأن يجعلهم أسبابا لإيصال الخير إلى المستضعفين، ومن هنا لا ينبغي أن ينظر العامل في هذا المجال إلى ما يقدمه باعتباره منة منه على المستفيدين، وإنما يستشعر فضل الله عليه حين اختاره لهذا الباب من أبواب الخير، ووفقه لخدمة عباده.
وإذا استقر هذا المعنى في النفوس، تحول البحث عن أفضل الوسائل وأكثرها كفاءة إلى جزء من أداء الأمانة؛ لأن حسن إدارة الموارد، وإيصال الحقوق إلى مستحقيها، وتقليل الهدر، وتوسيع دائرة النفع، كلها من مقتضيات المسؤولية الشرعية والأخلاقية، ولذلك فإن توظيف الذكاء الاصطناعي في العمل الخيري لا ينبغي أن يكون مجرد استجابة لموجة تقنية معاصرة، بل وسيلة لتحقيق مقاصد شرعية وإنسانية أصيلة، في مقدمتها حفظ المال، وتحقيق العدل، ورعاية المحتاجين، وتعظيم النفع العام.
المحور الثالث: الذكاء الاصطناعي وتطوير إدارة المؤسسات الخيرية
يفتح الذكاء الاصطناعي آفاقا واسعة لتطوير إدارة المؤسسات الخيرية، من خلال تحسين كفاءة الأداء، وترشيد الموارد، ودعم اتخاذ القرار، وتبسيط الإجراءات الإدارية. كما يتيح فرصا لتعزيز الشفافية والحوكمة، ورفع جودة الخدمات، وتوجيه الجهود نحو الفئات الأكثر احتياجا؛ بما يسهم في تعظيم الأثر الخيري وتحقيق الاستدامة المؤسسية.
أولا: من الإدارة التقليدية إلى الإدارة الذكية
من القواعد المشهورة قولهم»: الحكمة ضالة المؤمن، فحيث وجدها فهو أحق بها«، وهو معنى صحيح في الجملة، وإن كان الحديث المروي بهذا اللفظ ضعيفا عند أهل الحديث، ومن هذا المنطلق، فإن المؤسسات الخيرية الإسلامية أولى بالاستفادة من كل وسيلة نافعة ومشروعة تعينها على أداء رسالتها وتحقيق مقاصدها، ولا يليق بمؤسساتنا أن تبقى بعيدة عن التحولات التقنية التي تستفيد منها المؤسسات الدولية الكبرى، ومنظمات الإغاثة والتنمية، والجهات غير الربحية في مختلف أنحاء العالم.
فإذا كانت هذه المؤسسات توظف التقنيات الحديثة في إدارة مشروعاتها، وتنمية مواردها، وتحليل بياناتها، وتطوير خدماتها، فإن المؤسسات الخيرية الإسلامية تملك من الدوافع الشرعية والإنسانية ما يحفزها إلى الاستفادة من هذه الإمكانات، وتوجيهها لخدمة الفقراء والمحتاجين، وتحقيق التنمية المستدامة.
ولا ينبغي أن ننشغل بكثرة أسماء التطبيقات والمنصات التقنية بقدر ما ينبغي أن ننشغل بفهم الفرص التي تتيحها؛ لأن التطبيقات تتغير وتتطور باستمرار، أما الاحتياجات المؤسسية التي تعالجها فهي أكثر استقرارا، فالمؤسسة تحتاج إلى إدارة مشروعاتها، وتنمية مواردها، وتحليل بيانات المتبرعين والمستفيدين، وتطوير مواردها البشرية، وأتمتة أعمالها المتكررة، وإدارة المخاطر، وتحسين علاقاتها مع الجهات الأخرى، وفي كل مجال من هذه المجالات يمكن للذكاء الاصطناعي أن يقدم حلولا عملية تسهم في رفع الكفاءة، وتحسين جودة الأداء، وترشيد الموارد.
ثانيا: تحسين إدارة المشروعات الخيرية
من أبرز فرص الذكاء الاصطناعي قدرته على دعم تخطيط المشروعات الخيرية والتنموية، بدءا من دراسة الاحتياجات، ومرورا بتحديد الفئات المستهدفة، وتحليل فرص الاستثمار، وإعداد دراسات الجدوى الأولية، وانتهاء بمتابعة التنفيذ وتقييم النتائج، فلنفترض أن مؤسسة خيرية تمتلك قاعدة بيانات واسعة تضم آلاف الأسر الفقيرة في مناطق جغرافية مختلفة، وتريد الانتقال من مجرد تقديم المساعدات الشهرية إلى تنفيذ مشروعات إنتاجية تسهم في تمكين هذه الأسر اقتصاديا.
في هذه الحال يمكن استخدام نظام ذكي لدراسة بيانات المستفيدين، وتحليل مستويات الدخل، والمهارات المهنية، والظروف الصحية والاجتماعية، وطبيعة الأسواق المحلية، والفرص الاقتصادية المتاحة، وقد يكشف التحليل أن منطقة ريفية معينة تتميز بانتشار الحرف اليدوية، أو الأنشطة الزراعية، أو الصناعات الصغيرة، وأن بعض الأسر تمتلك مهارات مناسبة لممارسة هذه الأعمال، لكنها تفتقر إلى رأس المال أو المعدات اللازمة.
تحديد المشروعات الأكثر ملاءمة
وهنا يمكن للذكاء الاصطناعي أن يساعد المؤسسة على تحديد المشروعات الأكثر ملاءمة، وتقدير تكاليفها وعوائدها المحتملة، ومقارنة البدائل، وترتيب الأسر بحسب استعدادها للاستفادة من برامج التمكين، ويمكن كذلك استخدام ما يعرف بالمستشار الآلي الذكي، وهو نظام يقدم تحليلات وتوصيات بناء على البيانات والمعايير التي تزود بها المؤسسة.
فبدلا من أن يقتصر العمل على تقديم إعانة شهرية لأسرة معينة، يمكن دراسة إمكانية تمكين أحد أفرادها من إنشاء مشروع صغير يوفر دخلا مستمرا، ويخفف اعتماد الأسرة على المساعدات، وهذا يتفق مع مقصد مهم في العمل الخيري، وهو الانتقال بالمستفيد القادر على العمل من دائرة الاحتياج المتكرر إلى دائرة الكفاية والإنتاج، متى توافرت الظروف المناسبة.
ثالثا: من الإعانة المؤقتة إلى التمكين الاقتصادي
تتأكد أهمية هذا التوجه بالنظر إلى ما قرره الفقهاء في بعض أنواع إعطاء الزكاة للفقير والمسكين؛ حيث أجاز فقهاء من الشافعية والحنابلة إعطاء صاحب الحرفة ما يحتاج إليه من أدوات حرفته، بما يعينه على تحصيل كفايته، وفق الضوابط والتفصيلات المقررة في أبواب الزكاة، وهذا المعنى يفتح أمام المؤسسات الخيرية مجالا واسعا لتطوير برامج التمكين الاقتصادي.