شرح كتاب البيوع من صحيح مسلم .. باب: بيع البَعير واستثناء حَمَلانه
د. محمد الحمود النجدي • الفقه
شرح كتاب البيوع من صحيح مسلم .. باب: بيع البَعير واستثناء حَمَلانه
في الحديث صورة إسلامية مشرقة للإمام القائد مع جُنده أو صِغار جُنده وكيفَ يتتّبع أحوالهم ويساعدهم ويتفقد أمُورهم الخاصة
كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يعين الضعيف ويُنْجد ذا الحاجة ويعطي دُون أنْ يَمنّ ودون أنْ يجرح المُعْطى
حديث جابر حديثٌ مشهور واحتجّ به أحمد ومن وافقه على جَواز بيع الدّابة مع اشتراط البائع لنفسه ركوبها
عَنْ جَابِرِ بْنِ عبداللَّهِ -رضي الله عنهما- قَالَ: غَزَوْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - فَتَلَاحَقَ بِي، وَتَحْتِي نَاضِحٌ لِي قَدْ أَعْيَا ولَا يَكَادُ يَسِيرُ، قَالَ فَقَالَ لِي: «مَا لِبَعِيرِكَ؟» قَالَ قُلْتُ: عَلِيلٌ، قَالَ: فَتَخَلَّفَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - فَزَجَرَهُ وَدَعَا لَهُ، فَمَا زَالَ بَيْنَ يَدَيْ الْإِبِلِ قُدَّامَهَا يَسِيرُ، قَالَ فَقَالَ لِي: «كَيْفَ تَرَى بَعِيرَكَ»؟ قَالَ قُلْتُ: بِخَيْرٍ، قَدْ أَصَابَتْهُ بَرَكَتُكَ، قَالَ: «أَفَتَبِيعُنِيهِ؟» فَاسْتَحْيَيْتُ ولَمْ يَكُنْ لَنَا نَاضِحٌ غَيْرُهُ، قَالَ فَقُلْتُ: نَعَمْ، فَبِعْتُهُ إِيَّاهُ، عَلَى أَنَّ لِي فَقَارَ ظَهْرِهِ حَتَّى أَبْلُغَ المَدِينَةَ، قَالَ فَقُلْتُ لَهُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي عَرُوسٌ، فَاسْتَأْذَنْتُهُ فَأَذِنَ لِي، فَتَقَدَّمْتُ النَّاسَ إِلَى المَدِينَةِ حَتَّى انْتَهَيْتُ، فَلَقِيَنِي خَالِي، فَسَأَلَنِي عَنْ الْبَعِيرِ، فَأَخْبَرْتُهُ بِمَا صَنَعْتُ فِيهِ، فَلَامَنِي فِيهِ، قَالَ: وَقَدْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ لِي حِينَ اسْتَأْذَنْتُهُ: «مَا تَزَوَّجْتَ؟ أَبِكْراً أَمْ ثَيِّباً؟» فَقُلْتُ لَهُ: تَزَوَّجْتُ ثَيِّبا، قَالَ: «أَفَلَا تَزَوَّجْتَ بِكْرا تُلَاعِبُكَ وَتُلَاعِبُهَا»، فَقُلْتُ لَهُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، تُوُفِّيَ وَالِدِي أَوْ اسْتُشْهِدَ وَلِي أَخَوَاتٌ صِغَارٌ، فَكَرِهْتُ أَنْ أَتَزَوَّجَ إِلَيْهِنَّ مِثْلَهُنَّ، فَلَا تُؤَدِّبُهُنَّ، ولَا تَقُومُ عَلَيْهِنَّ، فَتَزَوَّجْتُ ثَيِّباً لِتَقُومَ عَلَيْهِنَّ وتُؤَدِّبَهُنَّ. قَالَ: فَلَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - المَدِينَةَ؛ غَدَوْتُ إِلَيْهِ بِالبَعِيرِ، فَأَعْطَانِي ثَمَنَهُ، وَرَدَّهُ عَلَيَّ. الحديث أخرجه مسلم في المساقاة (3/1221) باب: بيعُ البَعير واسْتثناء رُكوبه، وأخرجه البخاري في الجهاد (2967) باب: استئذان الإمام.
في الحديث أنّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان عائدًا مِنْ غزوة ذاتِ الرِّقاع، وذلك في السنة الخامسة للهجرة - بجيشه بعد نصرِ الله له - وفي الجُنْد جابر بن عبدالله- الصّحابي المشهور- يَركبُ جَمَلاً له عليلاً، اشتدَّ به الإعْياء حتى لا يكادُ يسير، فتخلّف جابر عن آخر القوم، وكادَ يترك الجَمل في الصّحراء، ويسير على أقدامه.
يقول جابر: «وَتَحْتِي نَاضِحٌ لِي قَدْ أَعْيَا، ولَا يَكَادُ يَسِيرُ» قد أعيا، يقال: أعيا البعير في سيره، إذا تعب تعبًا شديدًا، وفي الرواية الثانية: ولا يكاد يسير، وفي الرواية الثالثة: فاعْتلّ جَمَلي، أي: مرض، وفي الرواية الرابعة: فتخلف ناضحي، أي: تخلَّفَ عن القوم بسبب الإعْياء، وفي رواية في كتاب النكاح: «فأبْطأ بي جَمَلي» وفي أخرى فيه: «وأنا على نَاضح، إنّما هو في أخْريات الناس».
وبينما هو يتدبّر أمره، فُوجئ بمَنْ يُناديه مِنْ خلفه: جابر، فالتفتُّ، فإذا هو رسُول الله - صلى الله عليه وسلم -، فقال له: لبيك يا رسُول الله، قَالَ فَقَالَ لِي: «مَا لِبَعِيرِكَ؟» قَالَ قُلْتُ: عَلِيلٌ، أي قال له: مالك تأخّرت؟ ما لبعيرك؟ قال: بعيري عليل، لا يكاد يسير.
قَالَ: «فَتَخَلَّفَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - فَزَجَرَهُ وَدَعَا لَهُ، فَمَا زَالَ بَيْنَ يَدَيْ الْإِبِلِ قُدَّامَهَا يَسِيرُ» أي: رجع رسُول الله خلف البعير، فنخسه في عَجُزه بعصا كانت معه، فقفزَ البعير مِنَ النّخسة، وسمع جابر رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، يَدعُو للبعير بالبركة، ثمَّ قال: «يا جابر: اركبْ بعيرك، باسم الله».
قوله: «فَمَا زَالَ بَيْنَ يَدَيْ الْإِبِلِ قُدَّامَهَا يَسِيرُ، قَالَ فَقَالَ لِي: «كَيْفَ تَرَى بَعِيرَكَ»؟ قَالَ قُلْتُ: بِخَيْرٍ، قَدْ أَصَابَتْهُ بَرَكَتُكَ» وفي رواية: «فسارَ سَيراً لمْ يسرْ مثله» أي: من الحُسْن والسُّرعة والنشاط. فركبَ جابرٌ بعيره، فإذا هو غير البعير الذي يَعْرفه، بعيرٌ يسيرُ سيراً لمْ يسر مثله قبل، بل لا يسيرُ مثله بَعير، فهو يُسَابق إبل القوم ويَسْبقهم، ويسير قدّامهم.
ثم قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «كيفَ تَرَى بَعيرك؟» أي: ماذا فعل؟ فقلت له: حَصَلت له بركتك يا رسُول الله، ها هو كأحسنِ بعير، بفضل دعائك، فها هو ذا يُحاول سبق ناقتك، أشدّه مِنْ خِطامه لأمنعه مِنَ الإسْراع، لتتقدم علي يا رسول الله.
ثمّ قَالَ لجابر: «أَفَتَبِيعُنِيهِ؟» فاسْتحييتُ، ولمْ يكنْ لنا ناضحٌ غيره» وفي الرواية الثالثة: «بِعْني جَملك هذا». وفي رواية للشيخين: «فقال: «أتَبيعُني جَمَلَكَ هذا يا جابِرُ؟» قال: قلتُ: يا رسولَ اللهِ، بلْ أهَبُه لكَ. قال: لا، ولكِنْ بِعْنيه قال: قلتُ: فسُمْني به، قال: قد أخَذْتُه بدِرْهمٍ، قال: قلتُ: لا. إذَنْ يَغْبِنُني رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، قال: فبِدِرهَمَينِ؟ قال: قلتُ: لا. قال: فلم يَزَلْ يَرفَعُ لي رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - حتى بَلَغَ الأُوقيَّةَ، قال: قلتُ: فقد رَضيتُ، قال: قد رَضيتَ؟ قلتُ: نَعَمْ، قال: نَعَمْ، قُلتُ: هو لكَ، قال: قد أخَذْتُه». وفي رواية: فبعته منه بخمس أواق. وفي رواية: اشترى منّي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعيرًا بوقيتين ودرهم أو درهمين. وفي رواية: «أخذتُ جَملك بأربعة دنانير».