شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

شرح كتاب البيوع من صحيح مسلم .. باب: بيع البَعير واستثناء حَمَلانه

د. محمد الحمود النجدي • الفقه

وظاهر الحديث أنّ جابرًا رفضَ البيع أولاً، لأنّه لمْ يكنْ لهم ناضحٌ سواه، ولهذا لامه خاله عندما قابله في المدينة، كما في الرواية الثانية، ثمّ لمّا أعاد - صلى الله عليه وسلم - الطلب قال: هو لك، أي: دون ثمن، فلما أصرّ - صلى الله عليه وسلم -، قبلَ جابر أخيرًا.

أما اختلاف الروايات في الثمن، فيقول النووي: «وسبب اختلاف هذه الروايات أنهم رووا بالمعنى، وهو جائز، فالمُراد وقية ذهب، كما فُسّر في الرواية الثالثة، ويحمل عليه رواية من روى أوقية مطلقاً، وأمّا من روى: خمس أواق، فالمراد: خمس أواق مِنَ الفِضّة، وهي بقدر قيمة أوقية الذهب في ذلك الوقت، فيكون الإخبار بأوقية الذهب عمّا وقع به العقد، وعن أواق الفضة عمّا حصل به الإيفاء، ويحتمل أن يكون هذا كله زيادة على الأوقية، كما قال: فما زال يزيدني في الرواية الرابعة، وأمّا رواية أربعة دنانير فموافقة أيضًا، لأنه يحتمل أن أوقية الذهب حينئذ وزن أربعة دنانير، وأما رواية أوقيتين فيحتمل أن إحداهما وقع بها البيع، والأخرى زيادة، كما قال: فزادني وقية في الرواية الخامسة، ودرهم أو درهمين في الرواية السابعة موافق لقوله: وزادني قيراطًا. وأما رواية: عشرين ديناراً؛ فمحمولة على دنانير صغار، كانت لهم، ورواية «أربع أواق» شك فيها الراوي، فلا اعتبار بها. اهـ. وهذه التوجيهات بعضها غير مقبول، والأولى أنْ يُحكم لبعضها بالمحفوظ، وعلى بعضها بالشُّذوذ، ولا سيما أنّ تحديد ثمن البعير؛ لا يتعلّق به حُكمٌ شَرْعي. والله أعلم.

قوله:«فَاسْتَحْيَيْتُ ولَمْ يَكُنْ لَنَا نَاضِحٌ غَيْرُهُ» والناضح: هو جملٌ يستقى عليه، وفي رواية: فما زال- أي البعير- بين يدي الإبل- أي: يسير أمامها وقدامها. وفي رواية عند مسلم: سبقت فانطلقَ بعيري كأجْود ما أنت راءٍ من الإبل. وفي أخرى: فلقد رأيتني أكفّه عن رسُول الله - صلى الله عليه وسلم -.

قَالَ فَقُلْتُ: نَعَمْ، فَبِعْتُهُ إِيَّاهُ، عَلَى أَنَّ لِي فَقَارَ ظَهْرِهِ حَتَّى أَبْلُغَ المَدِينَةَ» أي: بعته إيّاه واستثنيت حملانه إلى أهلي، والمعنى: استثنيت حمله لي إلى أهلي بالمدينة. وفي رواية قال: «ولك ظهره إلى المدينة».

قوله: «فبعته إياه على أن لي فقار ظهره حتى أبلغ المدينة» وفقار ظهره بفاء مفتوحة، ثم قاف، وهي خرزاته ومفاصل عظامه، واحدتها فقرة. يعني: له ركوبه حتى المدينة.

قوله: «فقلتُ له: إنّي عَرُوس» أي: أنا عَرُوس، أي: تزوجت حديثاً، لهذا أستأذنك في أن أسبق الجيش إلى المدينة. أي: أستأذنه في أنْ يسبقه ويسبق القوم إلى المدينة، فأذن له، قال: فتقدمت الناس إلى المدينة؛ والعَروس يُطلق على الرّجل والمرأة، أي: إني عَجلٌ إلى أهلي، فأستأذنك في الإسْراع، فأذن له.

قوله: «فتقدّمت إلى المدينة حتى انتهيت، فلقِيني خالي، فسَألني عن البعير» أي: حتّى وصلت إلى المدينة وإلى بيتي، ولعل سرّ سؤال خاله عن البعير؛ أنه رآه يسير كأحسن بعير بعد أن كان ضعيفاً.

قوله: «فأخبرته بما صنعت فيه، فلامني فيه» واللوم سببه أن البعير كان مرغوبًا فيه عندهم، ولمْ يكنْ لهم ناضحٌ سواه، كما سبق، وليس لأنّه باعه لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وبثمنٍ أقل ممّا يستحق.

قوله: «وَقَدْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ لِي حِينَ اسْتَأْذَنْتُهُ: «مَا تَزَوَّجْتَ؟ أَبِكْراً أَمْ ثَيِّباً؟» قوله: ما تزوجت؟ أي: هل تزوجت؟ ثمّ سأل عن صفتها أبكراً؟ أم ثيبًا؟ أي: أتزوجت بكرًا؟ أم ثيبًا؟ قال: ثيبًا، قال: «أفلا تزوجت بكراً تُلاعِبُك وتُلاعبُها؟» في روايات لمسلم: «فهلا بكراً تلاعبها؟ فأينَ أنتَ مِنَ العذارى؟» بفتح الراء جمع عذراء، ولعابها بكسر اللام، أي ملاعبتها؟ فهلا جارية تلاعبها وتلاعبك؟ أو قال: تضاحكها وتضاحكك؟ أي قال له: لمَ لمْ تَتَزوّج بكراً وأنت شابٌّ في مُقتبل الشباب؟

قوله: «فقلت: تُوفّي والدي- أو اسْتُشهد والدي» فقد اسْتشهد أبوه عبدالله بن حرام - رضي الله عنه - في أحد. قال: «ولي أخوات صغار» في رواية لمسلم: «وترك تسع بنات - أو سبع - وفي رواية ست.

«فكرهت أن أتزوج إليهن مثلهن» في الصّغر، وعدم الدّراية، وعدم القُدرة على رعاية شؤونهنّ، والمعنى فكرهت أن أتزوج مثلهن مضمومة إليهن. «فلا تؤدبهن، ولا تقوم عليهن» وفي رواية فكرهت أن أجمع إليهن جارية خرقاء مثلهن.

قوله: «فتزوجت ثيبًا لتقوم عليهن، وتؤدبهن» في رواية: «فأحببتُ أنْ أجيء بامرأةٍ تقُومُ عليهنّ وتُصْلحهنّ». وفي رواية: «تقومُ عليهن وتمشطهن»، وفي رواية: «تجمعهن وتمشطهن، وتقوم عليهن»، وذكر ابن سعد: أن هذه المرأة هي سهلة بنت مسعود بن أوس بن مالك الأنصارية الأوسية, وقال له في رواية: «أصَبتَ»، وفي أخرى قال: «فبَاركَ اللهُ لك»، وفي ثالثة: «أما إنك قادم، فإذا قدمت فالكيس الكيس». أي: الْزَم العَقلَ العَقل، والحِكمة الحكمة، والذّكاء والظّرف، في مُعالجتك أمُور زوجك وأخَواتك، فما أصْعب هذه العِلاقة.

قوله: «فلما قدِم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - المدينة، غدوت إليه بالبعير» أي: فلمّا بلغت المدينة، وبلغت أهلي، ووضعتُ عندهم رحلي ومتاعي، أتيته إلى المسجد بالجَمَل، وكان من عادة الرسول - صلى الله عليه وسلم - ألا يدخل المدينة فجأة، فنزل بأصحابه قبلها بثلاثة أميال، وذبح لهم ليأكلوا، ويستريحوا، وحتى يستعد النساء للقاء الأزواج.

قوله: «فأعطاني ثمنَه، وردّه علي» أي: ردّ له الثمن والجمل، وفي رواية: «خُذ جملك ودراهمك، فهو لك». وصدق الله العظيم في قوله: {لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ} (التوبة: 128).

قال النووي: حديث جابر حديثٌ مشهور، واحتجّ به أحمد ومن وافقه على جَواز بيع الدابة، مع اشتراط البائع لنفسه ركوبها، وقال مالك: يجوز إذا كانت مسافة الركوب قريبة، وحمل هذا الحديث على هذا.

الصفحة السابقة الصفحة التالية